عوالم تدفُّقات الشِّعر والسّرد القصصي أو الروائي [صبري يوسف]

صبري يوسف

عضو
مشاركات: 669

عوالم تدفُّقات الشِّعر والسّرد القصصي أو الروائي [صبري يوسف]

مشاركة#1 » الأربعاء مايو 07, 2014 8:02 am

عوالم تدفُّقات الشِّعر والسَّرد القصصي أو الرِّوائي

صبري يوسف ـــ ستوكهولم

الشّعر حالة متدفّقة مثل شلال ماء منساب من مآقي غيمة هاطلة في صباحٍ باكر، يكتب الشِّاعر تهويماته الشِّعريّة بحرّيّة باذخة وكأنّه في رحلة حلميّة غير مرتبطة بأيّة تقيُّدات أو التزامات، سوى التزام الشَّاعر بتدفُّقاتِ الخيال وغالباً ما تكون هذه التَّدفّقات غير مخطَّط لها بشكل مسبق لدى الشَّاعر، حيث تولد بشكل اشراقاتٍ شعريّة، لأنَّ النَّصّ الشِّعري غير مرتبط بحدث أو خيط سببي تسلسلي كما هو الأمر في الكتابات السَّرديّة القصصيّة أو الرِّوائيّة، حيث نجدُ القاصّ أو الرِّوائي مقيَّد خلال كتابة نصّ سردي بجملة من التَّقيُّدات السَّرديّة عبر الفضاءات الَّتي يكتبها في البناء القصصي والرِّوائي، يتقيَّد القاص أو السَّارد بالشَّخصيّات وبالكثير من الحوار الدَّائر بين عوالم الشَّخصيَّات والكثير من حيثيات فضاءات النّص كالزّمان والمكان والخيط السَّردي، لأنَّ كلّ هذه العناصر تقيّده، وأحياناً تجبره أن يسير بأحداث السّرد القصصي بهذا السِّياق أو ذاك، لأنَّ الرِّوائي يخضع لعوالم شخصياته، ولا يُخضعها هو لعوالمه، لأنَّ لشخصياته عوالمها وخصوصياتها وأسبابها وخيوطها المتشعِّبة الَّتي ينقاد إليها، خاصَّة ما يتعلَّق بانفعالاتها ومشاعرها وأفكارها وتطلُّعاتها وتداخلاتها مع بعضها بعضاً، بينما في الشِّعر لا نرى كلّ هذه التَّقيُّدات والإلتزامات في منحى خيوطِ الكتابة، بل نرى الشَّاعر يطلق العنان لخياله، عابراً فضاءات لا تخطر على بال، بدون أي قيد أو التزام، وبدون أيَّة ضرورة لتسلسلات سببيّة أو زمنيّة أو سرديّة، الشَّاعر أكثر حرّيةً من الرِّوائي والقاص في التَّعبير عن هواجسه ومشاعره وانفعالاته وانفعالات شخصياته المستولدة أثناء تدفُّقات النّص الشّعري، لأنّه غير خاضع للكتابة ضمن خيط تسلسلي ولا لسببٍ منطقي ولا مقيَّد بأي سياق إبداعي كما هو الأمر في بناء خيوط القصّة أو الرّواية وما يتفرَّع عنهما من أدب سردي كما هو الأمر في كتابة السِّيرة الذَّاتية، لأنَّ تركيز الشَّاعر يكون على تدفُّقات خياله واشراقاته الشِّعريّة الَّتي غالباً ما تكون عفويّة حلميّة خياليّة منبعثة من اللاشعور الضّمني، ولاشك أنَّ الشّاعر يلزم نفسه أحياناً ببعض القيود وذلك بحسب ثقافته وتطلُّعاته، ولكنه هو الَّذي يحدُّدها وليس النّص أو التَّدفُّق الشّعري!

من هذا المنظور أودُّ الإشارة إلى الشَّاعر الَّذي يبدأ بكتابة نصوص سرديّة قصصيّة روائيّة أو كتابة أدب السِّيرة الذَّاتيّة أو أدب الرّحلات، فهو يشعر بجملة من الصُّعوبات الَّتي تعيقه في بناء نصوصه وقصصه وسردياته، خاصّة لو لم يكُن متمرِّساً على هذا النَّوع من الكتابة الإبداعيّة منذ بداياته ولا يعرف أسباب انحباس أو انكماش قلمه في هذه الفضاءات الّتي يلجها، ولهذا لا بدَّ من الشَّاعر الَّذي يرغب في كتابة النَّص الرِّوائي والقصصي والسِّيرة الذّاتيّة وما يتفرّع عنها كنصوص أدب الرّحلات، من العودة إلى العناصر والأسس الّتي ترتكز عليها هذه المتون الأدبيّة الرَّاقية، فللقصّة أو الرِّواية عناصرها وخصوصيَّتها وفضاءاتها الرَّحبة الّتي تتطلَّب من القاصّ والرِّوائي جهوداً كبيرة ومطالعات عميقة في كيفية بناء هذا الجِّنس الأدبي، ولا يمكن لشاعر غير متمرّس على كتابة هذه الأجناس الأدبيّة أن يلج في رحاب فضاءات السَّرد والقصّ ويكتبها بالإعتمادِ على أساليب شعريّة خالصة، ولكن الشّاعر المتمرّس والمتمكّن من فهم عمق البناء القصصي والرِّوائي والسَّردي بكلّ أبعاده وله تجربة إبداعيّة في هذا المضمار، يكون له قدرات إضافيّة وهي الطّاقات والصُّور الشِّعريّة الَّتي يستولدها في سياق بنائه القصصي الرِّوائي السَّردي، هذا إذا كان متمكِّناً ومتمرِّساً منذ البدايات على الكتابة القصصيّة والرِّوائيّة، لأنّه يستثمر قدراته الشِّعريّة والقصصيّة معاً في بناءِ النّص القصصي والرِّوائي الَّذي يكتبه بمهارة وانسابيّة عميقة، مراعياً أسس وعناصر الكتابة السَّرديّة والشِّعريّة على حدٍّ سواء، لأنّه يعرف كيف يبني نصّه القصصي ويعرف بنفس الوقت كيف يستفيد من تدفُّقاته الشِّعريّة ويوظِّفها عبر شطحاته السَّرديّة القصصيّة! بينما لو كتب شاعر ما نصاً روائيّاً أو قصصيّاً وليس لديه إطلاع عميق في كيفية بناء النَّصّ القصصي والرِّوائي وينطلق من خبرته في البناء الشِّعري وثقافته وعوالمه اللُّغويّة، فإنّ بناءه الشِّعري وثقافته الشِّعريّة والعامّة لا تسعفه للولوج عميقاً، بحرفيّةٍ كبيرةٍ ودقيقة في بناء النَّص القصصي والرِّوائي والسَّردي، لهذاعليه أن يعودَ إلى الأسس والعناصر الَّتي يبني عليها القاصّ والرِّوائي نصّه الإبداعي كي يكون لديه أرضيّة وحيثيات عميقة لبناء هواجسه السَّرديّة وإلا ستأتي كتاباته غير مستجابة لعوالم فضاءات القصّ والسَّرد ويخفق بالتَّالي في تحقيق أهدافه في هذه الأجناس الأدبيّة الَّتي يعبر متاهاتها الفسيحة!

ولا بدَّ في هذا السِّياق من الإشارة إلى تجلِّياتِ الخيال، أو طاقات التَّخيُّل عند كلٍّ من الشَّاعر والرِّوائي، حيثُ أنَّ الشَّاعر يحتاج إلى خيالٍ شعري خلاق يصبّ في بناء نصٍّ شعريٍّ يتضمَّن صوراً شعريَّة جديدة غير مطروقة في كيفية بنائها من قبل شاعر آخر، بينما في القصّة والرِّواية يحتاجُ الرِّوائي أن يكون لديه خيالاً خلاقاً، يبني ويخلق نصَّاً مرتكزاً على عوالم وأحداث ضمن سياقات متفرّعة ومدروسة في الكثير من منعرجاتها وكأنّه يبني عالماً رحباً، بناية شامخة ومتفرّعة بالكثير من الدَّهاليز والمنعطفات، أو يبني مدينة أو يعرض حدثاً تاريخياً أو حدثاً حياتيّاً أشبه ما يكون حدثاً واقعيّاً من حيث ترابطات الأحداث لما يرافقه من حوار بين الشَّخصيات وتصاعد في الأحداث وتشويق في سيرورة القصّة وفي الكثير من العوامل والعناصر الَّتي تجعل من الرِّوائي وكأنّه يبني عالماً متكاملاً من التَّفرُّعات الَّتي تنبني عليه عوالم سرد روايته أو قصّته، وبهذا يحتاج الرِّوائي إلى خيال واسع وعميق ودراية كبيرة في خلق عوالم ما تقتضيه بناء النَّص الرِّوائي والقصصي بعناصره المتعدِّدة والمتشعِّبة، وممكن أن يكتب الرّوائي نصّاً شعريّاً، إذا كان مشبَّعاً ومتمرِّساً على قراءة وكتابة الشِّعر منذ بدايات ولوجه في عوالم الكتابة، وكذلك ممكن أن يكتب الشَّاعر كما أسلفنا نصَّا قصصيَّاً روائيّاً سرديّاً لو قرأ وتعمّق وتمرّس في كتابةِ النّص الرِّوائي والقصصي منذ بداياته، وبالتَّالي يستفيد كلّ من الشَّاعر والرِّوائي في كتابة أي جنس أدبي من الإمكانيات والطَّاقات الفنّية المتوفِّرة لديه من كلا الجِّنسين، لأنّه سيوظِّفها بشكل عميق ومدروس كلَّما كتب شعراً أو سرداً، وبرأيي ممكن أن يكون الشَّاعر روائياً، والرّوائي شاعراً إذا كان كلٌّ من الشَّاعر والرِّوائي قد تمرّس منذ بداية شغفه في الكتابة على كلا الجِّنسين وأولاهما أولويّة قصوى في تنمية وتعميق عوالمه الشِّعرية والرِّوائيّة بمواظبة مدروسة، ومارس الكتابة في كلِّ منهما بطريقة حرفيّة ودراية معرفيّة عميقة في كلا الجّنسين الأدبيَّين!

الكتابة كحالة إبداعيّة تصبُّ في بعضها بعضاً من حيث الأجناس الأدبيّة، فممكن أن نجد شاعراً: قاصَّاً وروائياً وفنّاناً تشكيليّاً! لكن على هذا المبدع أن يولي أهمِّيّة عميقة لكلِّ هذه الأجناس الإبداعيّة، ولاشك أنَّ تعدُّد الاهتمامات الأدبيّة وتفرُّعاتها أحياناً تؤثّر على جانب دون آخر، سلباً أو إيجاباً، لهذا يستحسن التَّركيز على الجّنس الأدبي الّذي يتميّز به المبدع في كلِّ مرحلة من مراحل ولوجه الإبداعي، ولا يمنع من الولوج في الأجناس الّتي يرى المبدع نفسه قادراً على ولوجها، لكن شريطة أن لا تكون على حساب إضعاف أو تجميد جنس على آخر، كي تأتي ولادة العمل الأدبي ولادة طبيعيّة إبداعيّة عميقة وخلاقة!

وفي النّهاية، نجدُ أنَّ المبدع يَخضع لهواجسه وشغفه وتطلُّعاته وتقنياته وطاقاته الإبداعيّة، حيث تتشكَّل شخصيَّته الإبداعيّة ضمن سياقات وتفرُّعات معيّنة، هو نفسه غير قادر على وضع حدٍّ لهذا الجّنس أو ذاك، لأنّه ينجذب للشعر والقصِّ والرِّواية بحسب ما تشرّبت مخيَّلته وعوالمه لهذه الأجناس الإبداعيّة، فتولد القصيدة، القصّة، الرّواية، بشكلٍ إنسيابي بديع كأنّها شلال فرح متدفِّق من شهقةِ الرُّوحِ وحنين القلب لإشراقةِ الصَّباح، عندما يكون قادراً على الإمساك بخيوط حيثيات بناء كلّ جنس إبداعي من هذه الأجناس الإبداعيّة الفريدة الَّتي يتالَّقُ عميقاً في صياغةِ فضاءاتها الإبداعيّة الرَّحبة!

صبري يوسف
أديب وفنّان تشكيلي سوري مقيم في ستوكهولم
[email protected]
المرفقات
صورة للشاعر والفنان صبري يوسف بعد حفل التأبين الأدبي للأب يوسف سعيد.jpg
صورة للشاعر والفنان صبري يوسف بعد حفل التأبين الأدبي للأب يوسف سعيد.jpg (224.92 KiB) تمت المشاهدة 574 مرةً
1. kärleken flyger upp i himlen..jpg
1. kärleken flyger upp i himlen..jpg (187.04 KiB) تمت المشاهدة 574 مرةً

صورة العضو الشخصية
georgette hardo

مشرف
مشاركات: 2715

Re: عوالم تدفُّقات الشِّعر والسّرد القصصي أو الروائي [صبري ي

مشاركة#2 » الأربعاء مايو 07, 2014 2:28 pm

13388474066.jpg
13388474066.jpg (131.2 KiB) تمت المشاهدة 551 مرةً
georgette hardo
ام سلمان السويد

العودة إلى “منتدى الأديب صبري يوسف”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد

cron
jQuery(function($) { 'use strict'; $('.stat-block.online-list').attr('id', 'online-list'); $('.stat-block.birthday-list').attr('id', 'birthday-list'); $('.stat-block.statistics').attr('id', 'statistics'); $('.collapse-box > h2, .stat-block > h3').addClass("open").find('a').contents().unwrap(); $('.collapse-box, .stat-block').collapse({ persist: true, open: function() { this.stop(true,true); this.addClass("open"); this.slideDown(400); }, close: function() { this.stop(true,true); this.slideUp(400); this.removeClass("open"); } }); var $videoBG = $('#video-background'); var hasTopBar = $('#top-bar').length; function resizeVideoBG() { var height = $(window).height(); $videoBG.css('height', (height - 42) + 'px'); } if (hasTopBar && $videoBG.length) { $(window).resize(function() { resizeVideoBG() }); resizeVideoBG(); } phpbb.dropdownVisibleContainers += ', .profile-context'; $('.postprofile').each(function() { var $this = $(this), $trigger = $this.find('dt a'), $contents = $this.siblings('.profile-context').children('.dropdown'), options = { direction: 'auto', verticalDirection: 'auto' }, data; if (!$trigger.length) { data = $this.attr('data-dropdown-trigger'); $trigger = data ? $this.children(data) : $this.children('a:first'); } if (!$contents.length) { data = $this.attr('data-dropdown-contents'); $contents = data ? $this.children(data) : $this.children('div:first'); } if (!$trigger.length || !$contents.length) return; if ($this.hasClass('dropdown-up')) options.verticalDirection = 'up'; if ($this.hasClass('dropdown-down')) options.verticalDirection = 'down'; if ($this.hasClass('dropdown-left')) options.direction = 'left'; if ($this.hasClass('dropdown-right')) options.direction = 'right'; phpbb.registerDropdown($trigger, $contents, options); }); });

تسجيل الدخول  •  التسجيل