لماذا يفتخر أهل آزخ ببلدتهم آزخ؟ بقلم: فؤاد زاديكه

أضف رد جديد
فؤاد زاديكه
عضو
عضو
مشاركات: 403
اشترك في: الأربعاء إبريل 22, 2009 5:34 am

لماذا يفتخر أهل آزخ ببلدتهم آزخ؟ بقلم: فؤاد زاديكه

مشاركة بواسطة فؤاد زاديكه » الاثنين سبتمبر 26, 2016 9:06 am

لماذا يفتخر أهل آزخ ببلدتهم آزخ؟

بقلم: فؤاد زاديكه

في الحقيقة سؤال كبير خطر على بالي منذ زمن طويل و أنا أبحث و أطالع و أحقق و أدقق في تواريخ بلدة (آزخ) هذه البلدة القديمة و الناشرة عروقها في عمق التاريخ, بلدة تعاقبت عليها شعوب كثيرة و غزتها أقوام و دول و فاتحون. قد تكون في حدود مساحتها بلدة غير كبيرة لكنها كانت في إحدى مراحل تاريخها تتكوّن من 700 بيت و كانت القرية تصل في حدودها إلى ما يعرف ب(حارة الكُوَل) و هي الآن خرائب و أطلال يفصلها السّفّان (مجرى مائي يزيد منسوب مياهه في فصلي الخريف و الشتاء و يصب في النهاية في نهر دجلة) عن البلدة. كما كانت تتبعها قرى أخرى مثل بابقة و كوفخ و حدّل و كانت قلعة فنك في فترة من الزمن هي عاصمة الإقليم و كانت تدعى بقلعة بازبدى أو بيت زبداي.

ربما تكون آزخ من أكثر البلدات التي تعرّضت لتغييرات كثيرة في اسمها كما أن لها صفات كثيرة أطلقت عليها من خلال أحداث و وقائع غيّرت مجرى الحياة في هذه البلدة. لقد كانت (آزخ) تقع في موقع جغرافي هام يفصل بين حدود الدولتين الفارسية و الرومانية في العهد المتقدّم من التاريخ و كانت عرضة للغزوات و للنهب و الهجرة و الترحيل و الانتقال بسبب ذلك الموقع الجغرافي و هو ما سنأتي على ذكره في معرض مقالتنا هذه.
قد يتساءل بعض القراء الكرام لماذا انتظرت كل هذه المدة من الزمن لأقوم اليوم بنشر هذا المقال و شرح أهمية (آزخ) التاريخية, للسائل الكريم أقول: ربما تكون محقا في طرحك لمثل هذا السؤال فإني كنت أنوي أن أكمل الدراسة لكي أنشرها على حلقات أسعى إلى ألا أترك فراغًا أو طرحًا لتساؤل أما الذي دفعني اليوم إلى كتابة هذا المقال فهو أمران:
الأول: أنني دخلت بطريق الصدفة إلى موقع (المحطة) الإلكتروني الصديق, حيث أعلمني شخص أنه يتم نشر بعض أشعاري و مقالاتي هناك لكن حين رأيت و قرأت عرفت أن الشخص الكريم الذي يقوم بنشر مقالاتي و مواضيعي و أشعاري في المحطة يكتبها باسمي لذا فإني أشكره غاية الشكر علما أني لا أعرف من هو, فهو يكتب باسم مستعار و بالطبع معه حق و هو معذور لأن الرقابة في بلدان العالم الثالث كله تقوم بدور بوليسي رهيب و إرهابي مفزع, فمن حق الناس أن تخاف على نفسها و حياتها و مستقبلها. و كان الموضوع المنشور هو قصة حقيقية حصلت في آزخ بين الرجل الآزخي الحكيم شمعون غزو أحد أهم أركان العشيرة الحبيبكية في آزخ و بين شخص يدعى كانونو. لكن دخول أحد الأزخينيين و أيضا باسم مستعار و تهجمه الشخصي علي و كذلك استخفافه ببطولات أجدادنا في آزخ و استحقاره للشعب الآزخي و اختلاقه لقصص من خيال خصب مغرق في الهزأ و الذم و التهجم كان سببًا لأن أقول له و لأمثاله: محزن جدًا أن تكون أزخينيًا و لا أعتقد أنّ متخاذلين مثل هذا الشخص يمكن أن يوجدوا بين أبناء شعبنا الآزخيني و لو قرأ والدك أو جدك ما تتهم به الشعب الأزخيني من الجهل و الغباء و التخلف لتبرأ منك بكل تأكيد. على أقل تقدير احترم ذكرى آبائك و أجدادك الذين دافعوا عن هذه البلدة ببسالة و لم يتركوها عرضة لغاصب أو طامع كما تركتها أنت عرضة لهزئك و انتقادك الحاقد و همجية فكرك المشوّش.
الثاني: أن تلفزيون (سوريويو تي في) أذاع البارحة (هذا المقال يعود لتاريخ 12.4.2008) مشكورا حلقة خاصة عن بلدة آزخ و التراث الآزخي و تاريخ و لهجة و تراث البلدة, و قد استضاف الأخ الدكتور مقدم البرنامج ضيوفا من أبناء بلدة آزخ منهم الأب الدكتور القس يوسف سعيد "عن منطقة سوديرتاليا في السويد" و هو علم على رأسه نار, كما استضاف الأب متى مراد "عن كنيسة نورشوبينك الأزخينية" و إيشوع حفيد البطل الآزخي إيشوع حنا كبره و كذلك حفيد البطل القس كورية و حفيد القناص و البطل بهنان عيسكو و غيرهم من الشخصيات الأزخينية. بالطبع لي الكثير من الملاحظات حول هذه الحلقة لكنني لست في معرض الحديث عنها فقد أتناولها في موضوع خاص. لكن الذي لفت انتباهي بأن أيّ أحد من المشاركين في الحوار لم يتمكن من الإجابة عن السؤال الهام الذي طرحه مقدم البرنامج و مدير اللقاء حين قال سائلاً: لماذا أخذت بلدة (آزخ) كل هذه الأهمية و هذه الشهرة و هذا الصيت؟ كانت الإجابات لا تتعدى حدود كونها سردا مملا لا مؤشرات إلى أحداث معيّنة تؤكد أهمية هذه البلدة, كما أن غياب الكثير من الشخصيات الأزخينية عن المشاركة في هذا الحوار أضعف الحلقة مع أنه جهد مشكور عليه فهو أقل ما يقال عنه أنه تعريف بآزخ و الكشف عن بعض جوانب تاريخها و شعبها و لهجتها لكن غياب أصحاب المعرفة و المعلومة و العلم كان له ناتج لم يفِ الموضوع حقه و ترك الحلقة ضعيفة.

من باب الأمانة التاريخية و لتوضيح هذه النقطة أحب أن أشير إلى إمكانية شرح دور و أهمية آزخ و الأسباب التي جعلت منها بلدة ليست كغيرها من البلدات الكثيرة المنتشرة في منطقة طور عبدين بإسهاب شديد, علما أنها كبلدة تقع خارج حدود منطقة طور عبدين المتعارف عليها تاريخيا إذ كانت لآزخ أهمية كبيرة في كل فترات التاريخ الذي مرّ على منطقة الجزيرة المتواجدة فيها آزخ فيما قبل المسيح و لغاية هذا اليوم. أما الأسباب فإننا نستطيع أن نختصرها في الأمور التالية:
1 - كما جاء في الكثير من الكتب و المراجع التاريخية بأن سفينة نوح استقرّت على جبل جودي القريب من آزخ و أن نوحا و أبناءه بعد مغادرتهم الفلك (السفينة) ابتنوا لهم منازل في تلك المنطقة و يذكر بالتحديد في باقردى و بازبدى أي في جزيرة ابن عمر و في آزخ. فمن هنا تكون لها أهمية دينية و تاريخية, هذا متى صحت أسطورة الطوفان و قصة النبي نوح عليه السلام, و بالطبع كما يعلم الجميع فإن هذه القصة وردت بالدقة و التفصيل في سفر التكوين من كتاب العهد القديم المقدس.
2 - في فترة الحروب التي دامت طويلا بين الفرس من جهة و الرومان من جهة أخرى, فأن آزخ الكائنة في المنطقة الفاصلة بين حدود الدولتين المتحاربتين كانت تتعرض دوما إلى الكثير من الخراب و التدمير و التهجير و القتل و النزوح عنها و كانت طبيعة الحياة تختلف في حال سيطرة الفرس عليها عنها في حال سيطرة الروم و هكذا دواليك, فالبلدة لم تعش هدوءاً و استقرارا بل عاشت تجاذبات كثيرة حتى أنه و في أحد الأعوام قام أحد الحكام الفرس بإجلاء الكثير من سكان بلدة آزخ الأصليين إلى مناطق في بلاد فارس لكونهم كانوا أصحاب مهارات يدوية و أعمال ليستفيد منها الفرس, و استقدم إلى آزخ أقواما فارسية غريبة عن الأصل. و يقال أن آزخ سبيت سبع مرات.
3 - كانت البلدة كما يقال من بناء الحاكم السلوقي سلوقس الثاني في الفترة التي تم فيها بناء مدينة إنطاكية و غيرها من المدن في عموم بلاد تركيا اليوم و التي كانت تحت حكم السلوقيين. و يقال أن عين بلدة آزخ تعود إلى ذلك العهد لكن لا يعرف من أين يأتي نبعها فهو ينبع من تلة مرتفعة خارج بلدة آزخ. و قد انتعشت البلدة في عصر السلوقيين انتعاشا تجاريا كبيرا فهي كانت الطريق الواصل إلى الموصل و بلاد العراق و إلى مناطق في سورية الحالية, كما أن مناخها كان معتدلا و جميلا و قد فضّله بعض المؤرخين على طقس بغداد الجميل.
4 - كانت من أوائل البلدات التي أنارها نور الهداية إلى الإيمان المسيحي فاهتدت إليه, و قد بشّر فيها قديسون كثر و كان لها الشرف العظيم أن يطأ ترابها القديس مار أدى الرسول مبشرا و هو الذي حمل منديل وجه المسيح إلى أبجر الرها الذي صار مسيحيا بعد ذلك في قصة معروفة بعد شفائه من داء البرص الذي كان أصابه طويلا, و اهتدت على إثر ذلك كل إمارة الرها الآرامية. كما اقترن اسمها بالقديس أوشعيا ابن والي حلب الذي مات و بنى له ديرا فيها يحمل اسمه و هو من تلاميذ القديس ما أوجين, يجله الشعب الأزخيني و يحترمه كثيرا فقد عاش في آزخ سنوات طويلة من عمرة و هو يبشّر و يعمد الداخلين إلى الدين المسيحي و في بركة (عُوَينة) المعروفة في آزخ تمّ تعميد الكثير من الخلق.
5 - الاضطهاد الأربعيني الذي دام أربعين سنة فتك به الملك الفارسي سابور ذي الأكتاف حيث ألحق بآزخ و شعبها الفظائع فقتل المئات من أبنائها و بهذا تدخل من جديد آزخ إلى التاريخ من باب واسع و ليس من على هامش له, فالتضحيات كانت جسيمة و الضحايا كثر و التخريب و التدمير هائلا.
6 - الطاغية تيمورلنك المغولي هو الآخر أثخن في آزخ جراحات كثيرة إذ خرّب إبنه كل بيوتها و قتل شعبها و حرق البلدة على ساكنيها و بعضهم أحياء و من هذا التاريخ أخذت لها اسمها المعروف (آزخ).
7 - فترة العصر الذهبي الذي كان لها و هو عصر الشماس اسطيفان البرصومكي الذي جعل للبلدة شأنا كبيرا بين جميع القرى و العشائر المحيطة بآزخ و البعيدة عنها و قد نال بجرأته و شجاعته و حكمته وساما من الأمير بدرخان الكردي حاكم جزيرة البوتان لكون آزخ كانت في تلك الفترة تتبع الجزيرة إدارياً. فصارت لآزخ هيبة و صار يحسب لها ألف حساب و تهاب أكبر العشائر و أقواها سطوة آزخ و صيت رجالها البواسل الذين أثبتوا في أكثر من مناسبة أنهم لصيقو المحبة بأرضهم مدافعين عنها و هم لا يحبون التعدي لكنهم لا يقبلون الخنوع أو الخضوع و لا الاستسلام و من هنا جاء المثل المعروف: أن تراب آزخ حارّ. أي فيه نخوة و حمية و بأس و رجولة و إقدام.
8 - فترة الهجوم التركي على آزخ أثناء الحرب العالمية الأولى بقيادة الآلاي عمر ناجي بك بمعاونة عشائر كردية هاجمة من سورية و العراق و كل مناطق تركية. و قد انتصرت آزخ بصمودها و تضحيات أبنائها فروّت دماؤهم الذكية ترابها و جبلت منه صفحات من تاريخ مقدس و مشرّف ليس لمثل هذا الشخص الأزخيني المعتوه أن يسخر منه كما فعل في مشاركته التي أشرنا عليها في موقع المحطة. و كانت آزخ قد أصبحت مثل سفينة نوح أنقذت الكثير من الشعوب المسيحية التي التجأت إليها و حافظت عليهم و هم هاربون من سيف الفتك و الموت, و قد حاربوا إلى جانب رجال آزخ دفاعا عنها و كان الدفاع من الجميع بطولياً, فهو إمّا ثبات و صمود و انتصار و بقاء و إمّا استسلام و خنوع و قضاء محتم بالموت عليه.
9 - هجوم العشائر الكرديّة على اختلاف أسمائها و انتماءاتها و في فترات مختلفة لكن جميع تلك المحاولات لم تجعل الشعب الأزخيني البطل يقبل بالذل و المهانة و الاستسلام بل بالمقاومة و قد أثبت بأنّ أي حق لن يموت لطالما كان وراءه مطالب. الشعب الأزخيني كان على الدوام شعباً محبّا و مسالماً و هو لم يتعد على القرى المجاورة إلا في حالة واحدة دفع شعب آزخ ثمن غباء تصرف أحمق منهم بهجومهم على قرية (بارمّا) الصديقة و التي كانت تساعدهم أيام المحنة فتقدم لهم الملح و البارود و تمدهم بكل أنواع العون و غيره من المساعدات الضرورية, و سبق أن قال المثلث الرحمات المطران بهنام عقراوي لا تهجموا على (بارمّا) لأننا بهذا نخون الخبز و الملح لكن شعب آزخ لم يصغِ لكلامه و خان العهد فدفع الثمن باهظا بأن جرح البطل إيشوع حنا كبره و هو قائد العمليات الحربية و توفي على أثر تلك الجراح التي لم تتمكن إسعافات المرحوم كبرو الحكيم من إنقاذ حياته.
10 - عندما قام الجيش التركي بإنزاله العسكري في جزيرة قبرص و احتل القسم التركي منها و قسّمها إلى شطرين تركي و يوناني و أعلن جمهورية قبرص التركية, التي لم تعترف بها دول العالم بضغوط أوروبية و إلا فإن تركيا لن يكون لها موطئ قدم في السوق الأوروبية المشتركة, بل أن هناك بوادر إعادة توحيد القسمين القبرصي و اليوناني في الوقت الحاضر. عانى الشعب المسيحي في عموم تركيا و في آزخ الويلات و التعديات من الشعب الكردي, الذي لقي معاونة الأتراك لدوافع دينية في وجوب القضاء على ما تبقى من الشعب المسيحي في تركيا.

بالتأكيد هناك أمور أخرى كثيرة تجعل من (آزخ) بلدة هامة لكننا ارتأينا الإيجاز لتوضيح الفكرة, و سنترك الموضوع المفصّل لما سنقوم بنشره من مؤلفاتنا عن تاريخ (آزخ) و تراثها و رجالاتها و هي مخطوطات تحتاج إلى بعض التدقيق و المراجعة. و من الأسماء التي سميت بها و الألقاب التي منحت: بيت الصنم. بيت الزّبي (السبي). بيت النعمة. بيت سبة. بيت زبداي. بازبدى. آزخ. ايدل. القرية العاصية. سفينة نوح و غيرها من الأسماء و الألقاب عبر مراحل التاريخ الطويلة فهل يحق لأحد بعد هذا أن يلومنا في محبتنا لآزخ أو يسخر من تعظيمنا لها و هي التي تحوي على 13 كنيسة و ديرا و مزارا دينيا مسيحياً؟
كلّما عمّرتَ عمرا تلتقي أمراً و أمرا
تلتقي ناساً. فِعالٌ منهمُ, تأتيكَ غدرا

أضف رد جديد

العودة إلى ”منتدى الأديب فؤاد زاديكه“