الفنَّان حبيب موسى يتألّق على مسرح استراد في سودرتالية

المشرف: كابي ساره

أضف رد جديد
صبري يوسف
عضو
عضو
مشاركات: 669
اشترك في: الثلاثاء يونيو 23, 2009 11:20 am

الفنَّان حبيب موسى يتألّق على مسرح استراد في سودرتالية

مشاركة بواسطة صبري يوسف » الاثنين نوفمبر 30, 2009 2:37 pm

الفنَّان حبيب موسى يتألّق على مسرح استراد في سودرتالية




كنتُ غائصاً بالهموم، هموم الغربة، هموم الإبداع، هموم علاقات مدبَّقة بالعذاب، هموم البحث عن موطئِ قدمٍ في غربةِ هذا الزَّمان، هموم اللَّونِ والحرفِ والعشقِ والشَّوقِ إلى سماءِ الوطنِ، وطنٌ من حنينٍ وبكاء!
يتربّع الفنَّان حبيب موسى* ملك الأغنية السريانية في العالم، بدعوة من اتحاد الشبيبة الآثورية في السّويد، على مسرح استراد في سودرتالية، إحدى ضواحي ستوكهولم، المعروفة بكثافة الجالية السريانية، ليحيي (كونسيرتاً) فنّياً بديعاً بمناسبة الذّكرى الأربعين لإنطلاقته بالأغنية السريانية من جوقات التراتيل في هياكل الكنيسة، إلى حيِّز الوجود، ليؤسِّس بدوره أولى لَبِنَات أغنية سريانية خارج مراسيم الطقوسِ الكَنَسيِّة السريانيِّة الحافلة بألحانٍ في غاية الرَّوعة والبهاء، ويكفي الإشارة إلى ألحان مار أفرام السرياني، (البيت كاز*)، كي يعرف القارئ، أية كنوز لحنيِّة وموسيقية نمتلك، لكنها ظلَّت سنيناً بل قروناً في حيِّزِ الطقس الكنسي، إلا أن جاءَ (الملفونو*) حبيب موسى وأطلق عنانها في السَّماء الرحبة، ليكون رسول الأغنية السِّريانية في عالم اليوم والغد.

الموسيقى حالة إبداعية فريدة من نوعها، اقتبسها الإنسان من جوانح روحه عندما خفق قلبه لزقزقة العصافير والبلابل وحفيفِ الأشجار وهبوبِ الرِّيح، وهدهداتِ المطر. الموسيقى منبعها خفقان القلب وهو يرقص على إيقاع موجات البحر وهي تعزفُ أغنية أبدية منذ أن أشرقَتِ الشَّمس أشعَّتها المفعمة بالدُّفء والعطاء على وجنةِ المياه، فأنشدَتِ الطَّبيعة أولى مزاميرها على إيقاع الموج فرقصَتِ الكائنات رقصةَ الفرحِ وهي تعانقُ خيوطَ الشَّمس ونسائم البحر، ترحِّبُ بتحليقات النَّوارس والطيور المهاجرة نحو حبَّاتِ الحنطة والكروم المعرّشة في أكتافِ الجبال، حيثُ زخَّاتُ المطر تتهاطلُ فوقَ حنين الغابات لتسقي لَهَفَ الطيورِ إلى شهوةِ التَّغريدِ، هل للطيورِ شهوةُ الانتشاءِ في أرقى تجلِّياتِ الغناءِ، غنّي يا طيور الرُّوحِ غنّي على إيقاعِ هفهفاتِ الثَّلجِ، غنّي على إيقاع بهجة الرُّوحِ إلى زرقةِ السَّماءِ، غنّي يا صديقَ البحر والسَّنابل والموجِ ونسيم الصَّباح!

يتمايلُ قائد الأوركيسترا كابي مسّو مثلَ موجاتِ الصَّباحِ، وهو يتربّعُ راقصاً فوقَ خشبةِ العناقِ، عناقُ الموسيقى معَ أسرارِ اللَّيلِ، عناقُ الفنّان حبيب موسى مع تدفُّقاتِ أهازيجِ غيمة حبلى بشهوةِ المطرِ، يعطي مسّو إشارة التحليق فوقَ ربوعِ الحنينِ، حنين الرُّوحِ إلى أحلى أنواعِ الغناءِ، غناءٌ محفور في ذاكرة السِّنين، سنينُ الطُّفولةِ واليفاعةِ والشَّبابِ، سنينُ الغربة، سنينُ الفرحِ الآفلِ بين طيَّاتِ الغمامِ، يعبرُ بلبل السِّريان حبيب موسى ساحة الرَّوضِ، تسطعُ بهجةُ الحضورِ فوقَ شموخِ الجبين، تعلو بهجاتُ الحضور، صمتٌ شفيف يتخلَّل ما قبل العبورِ، عبورُ روضة الغناء، يردِّد مسَّو بهدوء بعض الأرقام، ثمَّ يعطي إشارة البدء، موسيقى مخضَّبة بأهازيجِ الرَّبيع، بأزاهير الزَّمن الآتي، بالسنابل التي حصدناها على إيقاع المناجل، يرقص مسّو وهو يلملم حفاوة الانطلاقِ، يشيرُ إلى الايقاعِ، تتراقصُ أصابع روبيرت وسنان وليث على تدفُّقات الإيقاعِ، كأنها متشرّبة من حفاوةِ صليلِ المناجل، تتناغم أوتار جيتار كمال أوديشو مع أوتار ديمير آحو، فتغفو عصافير اللَّيل على أنغام تشيلّو مقريان، يضحكُ مع بسمةِ اللَّيلِ، ينوحُ مع حزانى هذا العالم، يصدحُ حبيب موسى لأسرارِ اللَّيلِ، صوتٌ منبعث من تواشيح حنين الرُّوح إلى مرافئ الصِّبا والشَّباب، إلى قلاعِ حضارةِ الحضارات، أرقصُ فرحاً وأنا أسمعُ وهجَ الطربِ الأصيلِ المنبعثِ من حنجرةِ حبيب موسى وهو يسلطن فوق أحلام غربة الإنسان مع أخيه الإنسان، تنساب الأغاني إلى شواطئ القلب كأنها بلسمٌ معبّقٌ ببخورِ صباحاتِ العيد، صمتٌ يهفو لجموحِ الأزاهير، ثم يعلو حول قبة الرُّوح ناي شكري يوسي بتماوجات ألحانه المنبعثة من وداعِ الأزمنة الغابرة، تحلِّق فراشات الشَّوق حول ضياء الضوء، يزدادُ حبيب موسى تالُّقاً، كأنّه استجابة فرحٍ لنداءِ غيمةٍ ماطرة لعطشِ الصَّحارى، يتهاطلُ مثلَ خصوبةِ أرضٍ في أوجِ العطاء، غنِّي يا صديقَ اليمامِ على إيقاعِ التمنّي، كم من البوح حتى تبرْعَمَتْ أزاهير القلبِ، تتراقص أصابع جوزيف جاجان فوق أوتار الحنين، فتلامس أنغام عوده أوتارَ الرُّوح وتنقشُ فرحاً في خفايا الحلمِ، يشمخ شيرو مثل مياه دجلة متدفقاً بتجلِّيات كلارنيتهُ كأنه يتناغم مع إيقاع فرح الغابات، فيستجيب فيول أنور كأنه تحليقات أسراب البلابل المهاجرة نحو هلالات الرُّوح، تنتظر أنغام بزق عمانوئيل ديمير حيث قلوب العذارى تهفو إلى بهجة العناق تحت أشجار النارنج، طرتُ فرحاً وأنا مقمّط بألحان متلألئة ببراعم متطايرة من خدودِ السَّماءِ، يغمرُ صوت الفنَّان حبيب موسى فرحاً في أجواء المكان، تنساب أغانيه مثلَ نضارةِ الماءِ، كأنّه أمواج متدفِّقة كأحلامِ شوقِ العاشقين إلى روعةِ الغناءِ، ترقصُ قلوب المشاهدين مثل أزاهير موشّحة بأجنحةِ طيورٍ تحلِّقُ بين أشجارِ الجنّة، شوقاً إلى عناقِ هلالاتِ النُّجومِ الغافية بين أحضانِ السَّماء.

فجأةً وجدتُ نفسي في لبِّ الحضارةِ، حضارةُ الغناءِ، حضارة تجلِّيات الرُّوح على وهجِ الانشادِ، حضارة شعبٍ منبعثٍ من رُقَيْمَاتِ الطينِ، حضارةُ بشرٍ حملوا الحرف إلى مرافئ الكونِ، حضارةٌ مرتكزة على نبتةِ الخلودِ، حضارةُ الأساطير وما قبل الأساطير وما بعدها، حضارة حبَّاتِ الحنطة التي نبتَتْ على ضفاف وادي الرافدين، بين تخومِ جنائن العمر، جنائنٌ معلَّقة في دفءِ الشَّمسِ ونعمةِ السَّماءِ، أين أنتَ يا جلجامش لترى عذوبة الأغاني تعانقُ طموحَ العمرِ، عمرنا التائه خلف انشراخِ مذاقِ القومِ، قومٌ على قابِ قوسينِ من نيرانِ القرنِ، قرننا يتماوجُ فوقَ قرونِ التَّنانينِ ، قرونَ الخرافاتِ، خرافاتُ الكلامِ، خرافاتُ السَّلامِ، خرافاتُ حضارةِ اليومِ، حضارةٌ مرصرصةٌ على دماءِ الفنونِ، حضارةُ حربٍ مشرشرة بشراراتِ الجنونِ، حضارةُ ملبّدة بدماءِ الطفولة، حضارةٌ حارقة أحرقتْ نضارةَ الكونِ، حضارةٌ جانحة نحوَ الطيشِ، نحو أقصى أقاصي الغباءِ، نحوَ تدنيسِ أبجدياتِ العيشِ، حضارةٌ مدبّقة بالقيرِ، بعيدة عن حفاوة الخير، حضارة حُبلى بسمومِ حيتانِ الكونِ، حضارة مفخَّخة بلوثةِ مصّاصي الدِّماءِ، المتحكّمة في شفيرِ أفواهِ البراكين!

كيف يتبادرِ إلى ذهنِ الإنسان فقاعاتِ السُّمومِ، وكلّ هذا البهاء يسطعُ في بوحِ الغناءِ، حبيب موسى حكاية غيمةٍ موشّحة بأريجِ الغناءِ، كيفَ ينامُ المرءُ على صوتِ انقضاضِ طائراتِ الشَّبحِ، وهو يسمع موسيقى على أنغامِ اللَّيل، أينَ الفرار من دموعِ الأمَّهاتِ الثّكالى، أين المفرّ من الأطفالِ الحزانى، من دمعةِ البراءة، من بسمةِ وردةٍ غارقةٍ في سماكاتِ الدِّماءِ، كيفَ يتوازنُ الإنسانُ معَ قباحاتِهِ، وهو يسمعُ موسيقى من وَرَعِ السَّماءِ، موسيقى منبعثة من مرتفعات قمم جبل جودي، حيث سفينةُ السُّفنِ رَسَتْ هناك فوق قمّةِ آرارات، تنتظرُ عودة أغصان الزَّيتون، يتأهَّب حبيب موسى في ليلة حافلة بالحنين أن ينثر أغصان السَّلام المنبعثة من كلمات شابو باهي*، وانسيابات نوري اسكندر* اللحنية، رقص قلبي طرباً وأنا أسمع ملك الأغنية السريانية يفتتح تألّقه الغنائي بالسلام والوئام بين الأحبة، قائلاً:

(شْلومي شْـلومي علا شَافيري .......... شْلومي علا حّليه و نـاهـيري*)
(شلومي لْشوفْرو دْلَيتْليهْ حوروْ .......... لـمورتـيهْ دَعِّيـنيهْ زاهـوري)
سلامٌ سلامٌ على الجمـيلاتِ ........... سلامٌ عـلى الحـلواتِ النبيهات
سلامٌ لجـمالٍ لا مـثيل لـه .......... لعيـنيكِ الفوَّاحـتين كالأزاهـير

ينثر الفنّان علينا سلاماً من بوحِ أغاني العشق الجامحِ فوقَ قبَّة الأحلامِ، أحلامنا المضرّجة بأجنحة اليمام العابرة في عتمةِ اللَّيل، ليلنا المفتوح على مدارِ اشتعالات الرُّوح منذ أمدٍ بعيد، كيف فاتنا أن نستنهضَ قلاع موسيقانا اللائذة في بواطن الذَّاكرة البعيدة، ذاكرة مكتظّة بنداوةِ المطر ووداعةِ الحنطة، كيف فاتنا أن نلملمَ الزؤان المتناثر بين حبَّاتِ الحنطة ونرميه بعيداً عن نعمةِ الخصوبة، موسيقى دافئة بوهجِ الشَّمسِ، من لونِ روعةِ الكروم، هل تنحني أزاهير دوَّارِ الشَّمسِ لوهجِ تدفُّقاتِ الموسيقى، لألحان منبعثة من ضياءِ الرُّوحِ الملفّحة بخيوطِ الشَّمسِ، موسيقى متماهية مع هبوبِ نسيمِ ديريك وهو يتغنّج مع وردةٍ متفتّحة على إيقاعات نوارج الفلاحين، تبدو لي أغنية شامُوْمَرْ كأنها منبعثة من تراقصاتِ باقاتِ السَّنابل. هل كان حبيب موسى وهو يلحّنُ ألحانه هائماً في براري سهول القمحِ، أم أنه كان متعرِّشاً بين عناقيد الكروم، باحثاً عن أنكيدو، الغائص في متاهات البحث عن جلجامش، عابراً البراري بحثاً عن نغمةِ الخلاص، خلاصنا من دوائر مغلقة، شائخة بين تلافيف أزمنة من غبار، إلى متى سيتفاقم فوق جفوننا هذا الغبار، إلى متى سنظل نجترُّ انزلاقاتِ دوائر العبور، بعيدين عن نغمةِ الخلاص؟ غنّي يا فنان السِّريان غنّي، غنِّي على إيقاعِ الحصادِ، على إيقاعِ زغاريد الأمَّهاتِ، على إيقاعِ وهجِ العشقِ في ليلةِ قمراء، غنّي على إيقاعِ مهودِ الطفولة وانفتاحِ براعم الحنين، مهودٌ مبرعمة بنكهةِ البابونج وأريج النِّعناع البرّي، أرواحنا عطشى إلى أغانٍ تسمو عالياً مثلَ تلألؤات النُّجوم، تنضحُ أصالةً مثلَ نضوحِ روعةِ الكرومِ، كرومٌ معلَّقة في بحبوحةِ ذاكرة مخضّبة بولعِ الاشتعال، اشتعالُ وهج الأغاني ينسابُ لحناً دافئاً بتساؤلاتٍ مرهفة، لكلمات المطران جورج صليبا وهو يسأل النهر إلى أين يسير:

(مُـرْلي أونَـهْـرُوْ ......... لـيْكُـوْ أوزيْـلاتْ)
(أوزيلْنُوْ لفـروتْ .......... أوزيـلْنُـوْ لدقْـلاتْ)
(لَرْعوْ دبيتْ نهرينْ ........... عَـفْروْ دْقَـدْمـويينْ)
(شْخينْتوْ دابوهيين ........... سوريـويـِهْ قَدْميـهْ)

قُـلْ لي يا نـهر .......... إلـى أيـن تـسـير
أسير إلى الفرات ........... أسـيـر إلى الدجـلة
لأرض بيت نهرين .......... تــراب الأجــداد
إلى بيت أجدادي ........... السريـان القـدمـاء

تساؤلات عديدة يطرحها الشاعر ويحلِّق الفنان في فضاءِ روعةِ الألحان، هل أقتبس الألحان من خرير هموم وادي الرافدين؟ أزدادُ إندهاشاً عندما أرى ملايين الملاين مرصودةً من أجل زيادة عددِ القببِ، قبَّةٌ تنافسُ قبَّةً، تعيقُ مدارات تنوير الرَّعية، تميلُ إلى تعميقِ رعونةِ الانشقاقات، تزدادُ علوَّاً فوقَ انشراخِ جبينِ أقدم شعوبِ الكونِ، ترزحُ فوقَ رُقيْمَاتِ الطِّينِ، طينٌ مجبولٌ بأغصانِ الخلاص، منقوشٌ بعرباتِ آشور، تجرُّها ثيران مجنّحة بعنفوانِ الغابات، ما هذه القبب المناطحة لبعضها بعضاً كأنها في سباق غلياني للوصول إلى قاع الانفلاق، انفلاق طموحِ الجيل، انفلاق مدار الفنونِ، انفلاق مجالس العناقِ، تتراءى أمامي القباب كأنها سدٌّ منيعٌ في صدرِ تنويرِ البنينِ، تزرعُ بطريقةٍ أو بأخرى كميناً في حلقِ الحنينِ، حنينُ الرُّوحِ إلى صفاءِ رؤى الشَّبيبة وهي تقطفُ سلالَ التِّينِ على مدى آلافِ السِّنين، تشمخُ قببنا عاليةً، لكن تَمَرْكُزُنا يزدادُ تقوّساً في سفوحِ الظهرِ، بعدَ أن تبعثرنا فوق وجهِ الدُّنيا منذُ آلافِ السِّنين، نترنّحُ خائبين في أزقّةِ الحضارةِ، نجوعُ من تنابذِ صحارى الفكر، نتوهُ في بقاعِ الدُّنيا بحثاً عن قيثارةٍ نخفِّفُ بها من لظى اشتعال الرُّوحِ، روحنا الهائمة في انشراخِ الرِّيحِ، يزدادُ هولُ الانشراخِ في تجاويفِ العيونِ، عيونٌ مكفهرّة، متورّمة، منزلقة نحوَ لهيبِ البراكينِ، تفترسُنا غيلان هذا الزَّمان، تقتلعُنا من حميمياتِ البخورِ المنبعثة من هياكل الأديرة المتأصلة في هديلِ اليمام، نتخلخلُ من أعماقِ الجذورِ، نهيمُ على وجوهنا المعفرة بالسَّرابِ، نتوهُ في تلافيفِ التَّاريخِ، غير مدركين نضارةَ التلاوينَ، نقتل حمورابي ونرمي شريعةَ الشرائع بين أنيابِ المرابينِ، بلاءٌ ما بعده بلاء أن ترزحَ حضارةُ الحرفِ تحتَ كيدِ المرائينِ، كيف سننجو من كلِّ هذا البلاء، تاهتِ الحضارةُ عن حفاوةِ النُّورِ، تفاقَمَتْ حضارةُ حربٍ فوقَ صدرِ العبادِ، حضارةُ شرٍّ لا تفلتُ منها عظام القبورِ، قبورُ حضارةٍ رسَمَتْ أولى شرائع الكون، ها هي ترزحُ الآن تحتَ أقدامِ الغيلانِ، غولٌ من الشَّرقِ من الغربِ من الشِّمالِ من كلِّ الجهاتِ، لم أجدْ سوى حرفي يشفي غليل ما تبقّى من العمرِ، لم أجدْ سوى بعض الأغاني تبلسم جراحات السِّنين، كيفَ لا يتحسَّسُ المرءُ عذوبة الأغاني، كيف لا يهفو إلى خفقةِ القلبِ عند بوحِ الأماني، يغرِّدُ فنَّانُ السِّريان فوقَ مرافئ غربةِ الحضاراتِ، ينسابُ الفرحُ على مدى شواطئ الرُّوحِ، ينثرُ أهازيجَ الطيور المهاجرة فوق موجاتِ البحرِ، تقفز إلى جموحاتِ حبيب موسى حدائق بابل المعلَّقة في صدر السَّماء، فيحلِّقُ بألحانِهِ البديعةِ عالياً معانقاً نجمةَ الصَّباحِ:

(ككووْ دصفْروْ حابيبتو .......... عَلْ زَبْـنُـو لـكْمَاصَتْنُو)
(زْليقُوْ دْفوثَخْ كمانحلي ........... وعَلْ قـمثَخْ كْمَيْدَيونّـو)

حبيبتي يا نجمة الصَّباح .......... لا يـهـمنّي الـزَّمـن
نور وجهكِ يريُّحـني ........... وقامتكِ تشعل بي الجنون

لأوَّلِ مرَّةٍ في حياتي أشعر بغبنٍ كبير لأنني لا أجيد السريانية، لأوَّلِ مرَّةٍ أشعرُ أن لغتنا السِّريانية لها عبق البخور المنبعثة من خشوع الأديرة المعرَّشة في قمم الجبال، جبال شامخة بالصفاء، شامخة بكنوز تضاهي كنوز البحار، شعرت وأنا أسمع الأغاني من ملك الأغنية السريانية، أن لقب الملوك الذي أطلقناه على الملوك منذ آلافِ السنينِ، لقبٌ مشكوك في أمره في أغلب الأحيان، فماذا قدَّم الكثير من ملوك وسلاطين هذا الزمان والأزمنة الغابرة، سوى زرعِ الخراب والانشقاقِ بين عوالم الرعيَّة، رعيَّة تائهة خلف مساراتِ دموعٍ مالحة كأنها منبعثة من أحزان اللَّيل والنَّهار، ماذا قدَّم الملوك أكثر مما قدَّم مبدعو هذا الزَّمان والأزمنة التي طواها الزَّمان، أزمنة معفَّرة بالرَّماد، هل يستطيع ملك الملوك أن يمنحني الفرح الذي منحني إيَّاه حبيب موسى وهو يعتلي خشبة الأصالة والانتعاش، انتعاش القلب وما تبقَّى من الأحلام الهاربة من ضجر الحياة، قشعريرة انتعاشية ترعرعَتْ في مهجةِ الرُّوح، فرحٌ من لون دموعِ الامَّهات وهي تنساب من عيونهن كأنها حفاوة عناق البنين والبنات، فرحٌ من نكهةِ الحلمِ الآتي، فرحٌ يبدِّد سماكات ضجر الرُّوح في صقيع غربة الشِّمال، أغاني تبهج القلب، وتبلسمُ حنايا الرُّوح، تُزهِرُ وردةً فوقَ أغصانِ القلبِ، يختتمُ الفنان حبيب موسى أغانيه كما أفتتحها بالسلام والوئام قائلاً:

(أَلْفُوْ شلومي وشيني ........... بحليتوْ دنقيشْ عينـيهْ)
(مي نقلا دْحزيْليليخْ ........... حشونوْ عَمَدّ ديوونيهْ)

ألف سلام وأمـان .......... للحلوة جميـلة العينين
منذ أن شاهـدْتُكِ .......... أُصِبْتُ بجنونِ العـشقِ

وقفَ الجمهور يغني مع الفنَّان حبيب موسى بفرحٍ كبير في اختتام الكونسيرت، كأنه موجة عشقٍ متهاطلة على أرضٍ عطشى لأحلى الأغاني، ألحانٌ مشبّعة ببوحِ هفهفات النَّسيم واخضرارِ السَّنابل، مكتنـزة برائحةِ بخورٍ تتصاعد في ليلةٍ قمراء نحوَ هلالاتِ السَّماء، غناءٌ أصيل وموسيقى متناغمة مع بسمةِ الأطفالِ وانسيابِ شهقاتِ المطر!

ستوكهولم: تشرين الثاني (نوفمبر) 2009
صبري يوسف
كاتب وشاعر سوري مقيم في ستوكهولم
sabriyousef1@hotmail.com

هوامش:
* كتب كلمات الأغاني كلّ من الشُّعراء: شابو باهي، جورج شمعون، سعيد لحدو، أبروهوم لحدو، نينوس آحو، دنحو دحُّو، يوحانون قاشيشو، سنحاريب سادو، عمانوئيل سلمون، عبدالمسيح موسى، جوزيف ترزي، المطران صليبا، وأغنية لشاعر غير معروف ألحان الموسيقار الرَّاحل جميل بشير.
* لحّن الأغاني كل من الملحِّنين: الموسيقار الكبير نوري اسكندر، الأب بول ميخائيل، الموسيقار الكبير الرَّاحل جميل بشير، وأغلب الأغاني هي من ألحان الفنّان نفسه حبيب موسى.
* البيتْ كازْ: اصطلاح سرياني يعني مرجع خزينة الألحان السريانية الكنسية.
* الملفونو: كلمة سريانية تعني الأستاذ أو المعلِّم.
* تمَّ تصويب وتشكيل لفظ مقاطع الأغاني السريانية بما يقابلها بالعربية لفظياً من قبل الفنَّان حبيب موسى كما ترجم الأغاني أيضاً ولكن صياغة الترجمة تصرّف بها كاتب المقال الشَّاعر صبري يوسف مع الحفاظ على جوهر المعنى المطلوب.
* الفنان حبيب موسى من أصول سورية سريانية، مقيم في السويد منذ عام 1977، وقد غنّى بعض الأغاني بالهندية والعربية والكردية والتركية واليونانية والسريانية بلهجتها الغربية والشرقية أي الآشورية، حيث يجيد أداء الغناء الأصيل بالكثير من اللغات لقدرته الفائقة على التحكم بالصوت ومخارج الحروف لهذه اللغات، وقد أصدر ألبوماته باللغة السريانية، وفاء منه لأصالته وإنتمائه لحضارة عريقة تتعرَّشُ جذورها عميقاً في بلاد الرافدين، هي الحضارة السومرية والبابلية والأكّادية والآشورية والسريانية الآرامية والكلدانية التي تركَتْ بصمة فنّية دامغة وعريقة في أعماق التاريخ منذ أقدم العصور حتى الوقت الرَّاهن.

صورة العضو الرمزية
أبن السريان
عضو
عضو
مشاركات: 3314
اشترك في: الاثنين مارس 30, 2009 10:08 pm

الفنَّان حبيب موسى يتألّق على مسرح استراد في سودرتالية

مشاركة بواسطة أبن السريان » الاثنين نوفمبر 30, 2009 8:15 pm

اليوم وجدت صبري يوسف السرياني العميق بجذوره وأصالته
كنت سابقاً أرى فقط صبري الأزخي عذراً فقط وهذا لا أنتقاصاً لأني أفتخر بكل آزخي جبار وهم من قاوم المخرز بقلوبهم القوي الجبار
لكني أفتخر بسريانيتي أكثر لأنها الشمول والكل
لقد أخذتني كلماتك عبر الأثير في سماء أجدادنا السريان وعدت لأيام عصورنا الذهبية
أنه يستحق القول بأن حبيب هو ملك أغنية السريان
وصفك سما في سموات العصور وحلق في ذاكرة التاريخ
سلمت يمناك على هذا الشرح الوافي لمهرجان الأغنية الخالدة
بركة الرب معك
أخوك: سمير روهم

بركة الرب jes: معكم
mari: أخوكم: أبن السريان mari:


صورة

صورة العضو الرمزية
د. جبرائيل شيعا
المدير العام
المدير العام
مشاركات: 18978
اشترك في: الخميس مارس 19, 2009 11:00 am

الفنَّان حبيب موسى يتألّق على مسرح استراد في سودرتالية

مشاركة بواسطة د. جبرائيل شيعا » الثلاثاء ديسمبر 01, 2009 12:39 am

ألف ألف مبروك لنا حبيبنا الغالي حبيب
ليس عميد الأغنية السريانية بل رسولها وسفيرها

حبيب موسى هو عنوان
عنوان بحد ذاته
عنوان السرياني

مها قلنا عنه فهو قليل
دام قلمك يا صديقي العزيز ملفونو صبري على هذه الكلمات الرقيقة الجبارة بحق حبيبنا حبيب ولمكانة الاغنية السريانية ومحبتها في قلبنا

نشكر الله انه أعطانا حبيب في هذا الوقت العصيب
صورة

أضف رد جديد

العودة إلى ”الفن والفنانين“