من يكتب لن يموت أبداً

المشرف: الدكتور بشير متي الطورلي

صورة العضو الشخصية
اندراوس ملكي

عضو
مشاركات: 1288

من يكتب لن يموت أبداً

مشاركة#1 » السبت مارس 19, 2011 10:12 pm

في البداية، أرحّب بكم في هذه الأمسية الثقافية بمناسبة توقيع كتاب : أضواء على الماضي من أرشيف عائلة حنا سرّي جقي، هذا الكتاب سيأخذنا في رحلة تاريخية شيّقة يستعرض فيه أحداثاً وشخصيات لعبت دوراً هاماً في مسيرة وتاريخ طائفتنا خلال القرن الماضي.

قبل أن أبدأ بتقديم الكتاب سأسلّط الضوء على حياة وسيرة المؤلف وعائلته الكريمة، المؤلف السيد فريد حنا بسمارجي من مواليد ماردين عام /1933/، أحب القراءة، وعرفة مجلة الحكمة، وهو في سن مبكرة، أسس نشرة صغيرة بعنوان : النسر، ليسير على منواله أخواله الذين كانوا يفرحون لموهبته، ويشجعونه على الاستمرار في هذا الطريق. كان المؤلف من المؤسسين لـ مفكرة النشرة، التي كانت تصدرها ندوة الشعلة الثقافية، كما عمل في لجنة مدرسة بني تغلب الأولى كرئيس وأمين سر ومراقب، وخدم كأمين سر للمجلس الملي لسنوات طويلة، واشترك مع زوجته الفاضلة السيدة وفاء ناصر في تربية أولادهما ـ حنا وسامي وماريا ـ التربية الصالحة. خدم حنا وسامي كشماسين في هيكل الرب، وكانا من الأعضاء النشيطين في الأسرة الجامعية (وكنت يومها رئيساً للأسرة الجامعية، وأشهد على أدبهما ونشاطهما)، كذلك خدما في مركز الخدمة الاجتماعية، وعملت ماريا في كشاف مار أفرام، لقد استطاع آل جقي الكرام أن يؤثروا في أولاد أختهم مريم وأحفادها، وهذه مأثرة أخرى تذكر لآل جقي. للمؤلف كتاب : أنا هو الراعي الصالح، ألَّفه عام /1979/.

يهدي المؤلف كتابه إلى كل العاملين الذين يخدمون أمتهم بكل إخلاص، وإلى أرواح من تركوا هذا العالم، بعد أن نذروا أنفسهم للكلمة والعمل الصالح لمجتمعهم، وخلّفوا بصمات لا تُمحى !. ثم يقدم الكتاب نيافة المطران مار غريغوريوس يوحنا ابراهيم، الذي يولي الثقافة والأدب والكتابة اهتماماً خاصاً، رغم مشاغله العديدة على الصعيد الروحي، والعمراني، والاجتماعي، والوطني، وتحت عنوان : عطاءات لصنع التاريخ، يقول نيافته : لم تكتحل عيون السريان حتى تاريخ اليوم بكتاب، يعتمد على أرشيف عائلة، كان مبدؤها في الحياة أن تسلّح أفرادها بالإيمان والعلم، ويتابع فيقول : إن هذا الكتاب يستحق لأن يكون لبنة هامة في صرح إعادة كتابة تاريخ السريان المعاصر !.

اعتمد الكتاب على مجموعة من الرسائل والوثائق التي توثق وتؤرخ لمرحلة هامة وحساسة سياسياً واجتماعياً، وكما يقول الأديب مراد جقي في مقدمة كتاب : ذكرى وتخليد، الصادر عام /1936/ : إن الرسائل تحمل صورة دقيقة، طبيعية غير مصطنعة لنوايا كاتبها، وأفكاره، محررة من جميع القيود الاحترازية التي يقيد بها كتاباته العلنية لبعض الاعتبارات، فالرسائل الخاصة هي المرآة التي تنعكس على لوحتها الصافية، صورة حية دقيقة لنفسية صاحبها، مبيِّنة بوضوح المبادئ والعقائد والاتجاهات المسيطرة على نواحي تفكيره، وما أصدق هذا القول حينما تكون الرسائل صادرة عن بطاركة ومطارنة وأدباء ومعلمين وأشخاص عاديين، ممن يهتمون بشأن الطائفة والمجتمع.

إن أهمية هذه الرسائل، ليس فقط فيما تحمله من مستندات وشهادات على العصر، بل لكون بعضها ينشر لأول مرة، وتحتوي على معلومات غير معروفة حتى الآن، وستبقى مرجعاً تاريخياً لكل باحث ومنقّب في هذه الفترة من الزمن.
لم يكتفِ الكاتب بتقديم الرسائل صماء كما هي، بل زودنا بصور وثائقية ومعلومات تاريخية هامة عن حياة البطاركة والمطارنة والمعلمين الأوائل، وحديثاً عن الجمعيات الأولى والتي كان لها الفضل الكبير في خدمة شعبنا، وكان لها فضلاً هاماً في نهضة وتطور طائفتنا والتي كان لآل جقي الفضل الكبير في تأسيسها وازدهارها.

يورد الكتاب أيضاً عادات أهل ماردين وتفاصيل عن حياتهم الاجتماعية (الخطبة، الزواج، الولادة... الوفاة)، كما يستعرض تاريخ العائلة الطويل في خدمة الطائفة وإسهاماتهم في خدمة اللغة والأدب، ويبحث المؤلف في أصل واشتقاق كلمة جقي.

لا بد لي أن أسجل بعض الملاحظات والنقاط حول الكتاب ومؤلفه :

Ÿ الكتاب فيه جهد كبير من قِبَل المؤلف، فأنت أمام بحر من الرسائل، كُتبت في فترات متباعدة ومن قِبَل شخصيات دينية ورسمية وعائلية، وموضوعاتها مختلفة، إن ذلك يتطلب قراءة متأنية وعملية فرز وانتقاء الصالح وترتيبه وفق سياق محدد خدمةً للهدف الذي سعى إليه المؤلف.

Ÿ الكتاب يتكلم عن وقائع محققة بالوثائق والأرشيف وهو لا يعتمد على الظن والقال والقيل، بل نحن أمام رسائل ممهورة مؤرخة، مما يعطيها مصداقية ولا مجال فيها للتأويل، وبالتالي يعطي الكتاب مصداقية عالية.

Ÿ الكتاب يسلّط الضوء على حقبة حساسة وهامة من تاريخ طائفتنا، حقبة حصلت فيها صراعات عالمية ومحلية، ورُسمت فيها خرائط جديدة للمنطقة، حقبة توالى عليها أكثر من أربعة بطاركة... حقبة عانى فيها شعبنا من المجازر والهجرات والفقر والمعاناة، حقبة كان المثقفون فيها يعدّون على الأصابع... من هنا أردت أن أصل إلى صعوبة العمل والخدمة في مثل هذه الظروف... فكما نلاحظ فإن العمل في تلك الفترة كان يأخذ الطابع الفردي أو العائلي وليس المؤسساتي...

Ÿ لقد صمد آل جقي في وجه الصراعات المسيحية، المسيحية التي تعرض لها أفراد طائفتنا، صمدوا في وجه كل المغريات المادية والمعنوية، التي كانت تقدمها البعثات التبشيرية ـ للأسف ـ في وقتها وظلوا يدافعون عن الكنيسة والملة لإيمانهم القوي بالعقيدة السريانية الأرثوذكسية.

Ÿ الكتاب ممتع، لأنه يتكلم عن شخصيات دينية وسياسية وعلمانية سمعنا عنها، وبعضنا عايشه... ويسلّط الضوء على أحداث مهمة بقراءة جديدة مع ذكر أمور لم تكن معروفة من قبل. وقد يكون الكتاب بالنسبة لي أكثر متعة، لأن لكل حادثة أو شخصية واردة في الكتاب، لها مقابل في أرشيف والدي المرحوم الشماس ملكي أسعد، وكانت هناك صداقة عائلية ومازلت احتفظ بصور من عائلة جقي مُهداة إلى والدي، كما أن والدي عمل مع ابنه جرجس في جمعية الشبان السريانية في دمشق، وهو من المؤسسين لهذه الجمعية، كما كان والدي وكيلاً ومراسلاً لمجلة الحكمة، وعندما ذكر في الكتاب عن حاجة رعية دمشق إلى رجل كهنوتي ذكّرني ذلك بالرسالة التي احتفظ بها بخط يد البطريرك أفرام أرسلها إلى والدي ليُقنعه بأن يكون كاهناً لرعية دمشق، والعديد من القصص والحوادث التي حدّثني والدي عنها بخصوص آل جقي... إن هذه الصلات المشتركة جعلت من الكتاب بالنسبة لي ذو أهمية ومتعة خاصتين.

Ÿ هناك بعض الملاحظات النقدية التي أحب أن أذكرها في معرض تحليلي وتقديمي للكتاب :

Ÿ لدى سرد المؤلف لأعمال حنا جقي الكتابية، أهمل ذكر أهم مؤلفاته، وهو مذكرات شخصية لحنا جقي، رغم ذكره في متن الكتاب واقتباسه منه عدة مرات (ص 184 ـ 194 ـ 197) كذلك أغفل ذكر النظامنامه وهو قوانين البطريركية.

Ÿ في كثير من الأحيان يذكر المؤلف أموراً وأحداثاً دون تحديد المصدر (ص 206 حين يصف حنا أهوال الحرب الأولى عام 1915 وأسعار المواد الفاحشة... لا يذكر المؤلف المصدر هل هو رسالة أم فقرة من المذكرات).

Ÿ بهذه المناسبة اقترح إيداع هذه الوثائق في مقر البطريركية في دمشق، أو مقر المطرانية في حلب، مع توثيقها بأقراص مدمجة لإمكانية الاطلاع عليها، فهي لم تعد ملك عائلة أو شخص، بل هي ملك للطائفة، كما اقترحت على المؤلف إهداء مكتبته الثمينة (أكثر من عشرة آلاف كتاب) إلى المطرانية لتخليد ذكر آل جقي الكرام.

إن آل جقي قدّموا خدمات جلَّى للكنيسة والرعية، ولعبوا دوراً هاماً في الحياة الاجتماعية والسياسية، وتوارثوا هذه الصفات الإيمانية والخدمية أباً عن جد، كما أنهم اهتموا بالتأليف الأدبي واللغوي، ولم يغفلوا الجانب السرياني في حياتهم، رغم الظروف الصعبة والحقبة التاريخية الحساسة التي عاشوها. لقد كانوا حقاً ملافنة وخدّام أمينين لهيكل الرب، وقد دعاه الملفونو نعوم فائق : معلمي الأكرم وسيدي الأفخم، وقال فيه تلميذه الملفونو يوحنا دولباني في حفل تأبينه عام /1928/ : إليه يرجع الفضل بإحداث تلك النهضة العلمية التي ظهرت بوادرها في الطائفة قبل الحرب بزمن طويل.

وأخيراً، وكما يقول المؤلف : ما أحزنا أبناء هذا الجيل، لو نخصص ولو يوماً واحداً في العام ونذكر أفراد مجتمعنا شفاهاً وكتابةً بهؤلاء الذين قدّموا أجل الخدمات لمجتمعهم، ونسمي هذا اليوم يوم الخالدين، وكما قال الملفان الكبير نعوم فائق في كتابه : ذكرى وتخليد: إن الكلمة المكتوبة هي أغلى وأجمل من أية زهرة تنثر على قبول العاملين، لأنها لا تذبل، فالناس تذهب والكلمة المكتوبة خالدة إلى الأبد. وشكراً.

حلب ـ الخميس 3/ 3/ 2011

د. ميخائيل أسعد

سَلَام وَنِعْمَة رَبَّنَا تَكُوْن مَعَكُم

manq:
http://new.alepposuryoye.com/topic/2213
المرفقات
2213_1_1300211745.jpg
2213_1_1300211745.jpg (42.45 KiB) تمت المشاهدة 992 مرةً
ܒܫܝܢܐ ܘܒܫܠܡܐ ܟܽܠܰܢ ܣܽܘܪ̈ܝܳܝܶܐ

صورةصورة
صورة
اللهّم امنح العلم لمن يحب العلم
مار أفرام السرياني شمس السريان وكنارة الروح

صورة العضو الشخصية
الدكتور بشير متي الطورلي

مشرف
مشاركات: 1420

Re: من يكتب لن يموت أبداً

مشاركة#2 » الجمعة سبتمبر 02, 2011 3:10 am

hart:
الخلود هو في الكتابة فمنذ ألآف السنين يُذكر أحيقار لحكمه التي تركها مكتوبة وليس لغناه المادي.
مار أفرام السرياني لم يترك مالاً أو أولاداً أو قصوراً لكنه ترك أشعاره وميامره وقصائده وتفسيراته وطلباته فخلدته مدى ألأجيال.
مار يعقوب السروجي لم يملك شيئاً من حطام الدنيا ولكن خلدته ميامره وتضرعاته ورسائله وتفاسيره ولا يزال شعره ملهما للكثيرين .
مار بالاي كان مجهولا لولا شعره الرقيق ببحره الخماسي بل في الحقيقة السداسي لإلتقاء الساكِنَين وبواعيثه المستملحة .
وهكذا قل عن مار فلكسينوس المنبجي صاحب الكتب الروحية واللاهوتية والرسائل العقدية وأمير النثر السرياني.
مار إسحق ألأنطاكي الكبير بقصائده الساحرة وأسلوبه الرشيق ونظرته الثاقبة .
ومار يوحنا ألأفسسي بتأريخه البديع ومار يعقوب الرهاوي بقوانينه الكنسية وغيرهم الكثير الكثير من آباء كنيستنا العظام خَلدونا وخلدوا أنفسهم بما تركوه لنا من كتب وأشعار وقصائد ورسائل وتفاسير .


شاعر السريان
الدكتور بشير الطورلي

صورة العضو الشخصية
بنت السريان

عضو
مشاركات: 7129

Re: من يكتب لن يموت أبداً

مشاركة#3 » الجمعة سبتمبر 02, 2011 11:27 am

شكرا د.بشير على هذا الموضوع القيّم
بالفعل عندما يموت الإنسان ويغادر هذه الدنيا
لم يترك وراءه سوى أعماله وكتاباته وأقواله تذكرنا به
إذن هو موجود بيننا مات بجسمه لكن ذكره خالدا ولهذا فقد خلّد التاريخ عظماء لا زالوا بيننا بماتركوه لنا بعد وفاتهم
وأعطم مثال رائع سيبقى حتى انقضاء الدهر كلام الرب يسوع, ,يدور في أنحاء العالم , ليحي النفوس
الكلمة الحية التي لا تموت مطلقا فهو بيننا إذ قال ها انا معكم حتى انقضاء العالم بالرغم من موته الجسدي عنا لكنه موجود بالروح معنا وبأعماله وأعاجيبه وكلامه الذي دوّنه التاريخ وما زال ينبض بالكلام الحي ويحيي النفوس الهالكة ويعيدها إليه له كل المجد
صورة

صورة العضو الشخصية
د. جبرائيل شيعا

المدير العام
مشاركات: 19003

Re: من يكتب لن يموت أبداً

مشاركة#4 » الجمعة سبتمبر 02, 2011 2:36 pm

أقتصر الرد بهذه الجملة
التي أرددها دوما

" كل ما دوّن دام "


شكرا لكل من قام بتدوين حرفا واحدا يخدم الإنسانية
ros2: ros3: ros6:
صورة

العودة إلى “رجال ونساء من شعبنا”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد

cron
jQuery(function($) { 'use strict'; $('.stat-block.online-list').attr('id', 'online-list'); $('.stat-block.birthday-list').attr('id', 'birthday-list'); $('.stat-block.statistics').attr('id', 'statistics'); $('.collapse-box > h2, .stat-block > h3').addClass("open").find('a').contents().unwrap(); $('.collapse-box, .stat-block').collapse({ persist: true, open: function() { this.stop(true,true); this.addClass("open"); this.slideDown(400); }, close: function() { this.stop(true,true); this.slideUp(400); this.removeClass("open"); } }); var $videoBG = $('#video-background'); var hasTopBar = $('#top-bar').length; function resizeVideoBG() { var height = $(window).height(); $videoBG.css('height', (height - 42) + 'px'); } if (hasTopBar && $videoBG.length) { $(window).resize(function() { resizeVideoBG() }); resizeVideoBG(); } phpbb.dropdownVisibleContainers += ', .profile-context'; $('.postprofile').each(function() { var $this = $(this), $trigger = $this.find('dt a'), $contents = $this.siblings('.profile-context').children('.dropdown'), options = { direction: 'auto', verticalDirection: 'auto' }, data; if (!$trigger.length) { data = $this.attr('data-dropdown-trigger'); $trigger = data ? $this.children(data) : $this.children('a:first'); } if (!$contents.length) { data = $this.attr('data-dropdown-contents'); $contents = data ? $this.children(data) : $this.children('div:first'); } if (!$trigger.length || !$contents.length) return; if ($this.hasClass('dropdown-up')) options.verticalDirection = 'up'; if ($this.hasClass('dropdown-down')) options.verticalDirection = 'down'; if ($this.hasClass('dropdown-left')) options.direction = 'left'; if ($this.hasClass('dropdown-right')) options.direction = 'right'; phpbb.registerDropdown($trigger, $contents, options); }); });

تسجيل الدخول  •  التسجيل