صفحة 1 من 1

تاريخ الكنائس السريانية /ج1 بقلم المهندس موفق نيسكو

مرسل: الاثنين نوفمبر 29, 2010 1:10 am
بواسطة أبو يونان
الكنائس السريانية التي تفرعت عن الكنيسة الأنطاكية السريانية الأرثوذكسية

بقلم المهندس موفق نيسكو

كان سلطان البطريرك الأنطاكي السرياني يشمل جميع المسيحيين في قارة آسيا على اختلاف قومياتهم وأجناسهم ولغاتهم، وبمرور الزمن ونتيجة للخلافات اللاهوتية والقومية من جهة والتأثيرات السياسية للدول الكبرى آنذاك مثل الدولة الرومانية والفارسية من جهة أخرى، تفرعت عن الكنيسة الأنطاكية السريانية الأرثوذكسية الأم الكنائس السريانية التالية:
1: الكنيسة السريانية الشرقية (النسطورية،الأشورية): منذ تأسيس الكرسي الأنطاكي السرياني في بداية انتشار المسيحية ولصعوبة الاتصال آنذاك، أصبح أسقف المدائن مطراناً عاماً (جاثليق، مفريان)، مسئولاً عن الكنيسة السريانية في الشرق خاصة في العراق وبلاد فارس وكان له نوع من الإدارة الذاتية لكنه كان خاضعاً لسلطة البطريرك الأنطاكي السرياني إدارياً وعقائدياً، وعلى أثر انتشار أفكار بطريرك القسطنطينية نسطور الذي حَرمَهُ مجمع افسس سنة 431م، مَالَ جاثليق الكنيسة السريانية الشرقية أقاق سنة 486م إلى أفكار نسطور ،ثم انفصلت الكنيسة إداريّاً عن الكرسي الأنطاكي السرياني سنة 497م في عهد الجاثليق بابي، علماً ان اعتناقها المذهب النسطوري بصورة واضحة ورسميَّة مكتوبة كان سنة 585م في مجمع ساليق حسب كتاب الاتحاد الذي ألّفه إبراهيم الكشكري، وقد خضعت هذه الكنيسة كثيراً لضغوط الدولة الفارسية التي كانت تحتل المنطقة آنذاك حتى إن تسميتها بكنيسة فارس طغت عليها في بعض العهود ، وكانت سلطة هذه الكنيسة الإدارية ضعيفة إلى عهد الجاثليق إبراهيم الثالث (905ـــ936م) ثم أصبحت قوية وفعلية في عهد الجاثليق عبد ايشوع الثاني (1075ـــ1090م) على أثر المرسوم الذي أصدره له الخليفة العباسي القائم بأمر الله والذي جاء فيه: أوعز الخليفة ترتيبك جاثليقاً لنسطور النصارى في مدينة السلام والأصقاع وزعيماً لهم، ومنذ أواسط القرن التاسع عشر باتت تُسمَّى بكنيسة المشرق الأشورية وتسلسلت إلى سنة 1964م، وبسبب اعتماد التقويم الغربي في تعين عيد الميلاد، انشقت إلى قسمين، كنيسة المشرق الأشورية (تقويم غربي) ومقر بطريركهم شيكاغو، والكنيسة الشرقية الجاثليقية القديمة (تقويم قديم 7بالشهر) ومقر بطريركهم بغداد، ولغة الكنيسة هي السريانية بلهجتها الشرقية،ويتكلم أبنائها عدة لهجات محلية ويسمونها (السورث) وهي كلمة مختصرة من السريانية (سور بائيث) ومعناها بحسب اللغة السريانية أو يسمونها الفلّيحي أي لهجة الفلاحين السريانية.
2: الكنيسة السريانية الشرقية (الكلدانية): على اثر الاضطرابات الأمنية التي رافقت الغزو المغولي للمنطقة والعراق وسقوط بغداد سنة 1258م،تشتت المسيحيون وهاجر عدد كبير منهم باتجاه الغرب، وبمرور الزمن تركّز بعض المسيحيين من أتباع الكنيسة السريانية الشرقية (النسطورية) في جزيرة قبرص وشكَّلوا أبرشية المهجر تابعة لمطران طرسوس النسطوري في سوريا، وبما أنهم مهاجرون فكانت لديهم مشاكل كثيرة، ومنذ سنة 1326م اتجهت أنظار روما اليهم، ناهيك عن محاولة بعض النساطرة أنفسهم الاتصال ببعض الهيئات الكنسية من اجل المساعدة والدعم من روما، وفي المجمع اللاتراني المسكوني سنة 1445م حاول مطران قبرص النسطوري طيمثاوس طَرح مسألة مساعدة هؤلاء المهاجرين، لكن روما لم تتجاوب معه وتساعده باعتباره نسطوريا، إلاّ إذا جَحد إيمانه واعتنق الكاثوليكية وبدّلَ لقبهُ المرتبط بالمذهب النسطوري بلقب آخر، وبسعي وحث أسقف مدينة كولوس الكاثوليكي اندرواس لطيمثاوس استطاع إقناعه أخيراً بان يجحد إيمانه ويختار لقب آخر من احد أسماء حضارات العراق القديمة، فاقتنع طيمثاوس ووقع صورة إيمانه كما يلي: "انا طيمثاوس رئيس اساقة طرسوس على الكلدان ومطران الذين هم في قبرص، أصالة عن ذاتي وبأسم كافة الجموع الموجودة في قبرص، أُعلن واقر وأعِد أمام الله الخالد الأب والابن والروح القدس وأمامك أيها الأب الأقدس والطوباوي البابا اوجين الرابع وامام هذا المجمع (اللاتراني) المقدس، بأنني سأبقى دوماً تحت طاعتك وطاعة خلفائك وطاعة الكنيسة الرومانية المقدسة على أنها الأم والرأس لكافة الكنائس"، فاصدر البابا اوجين الرابع مرسوما في 7 آب 1445م يقول فيه "ان البابا اوجين الرابع يَمنع ان يسمَّي من ينتمي إلى الكنيسة الكاثوليكية من النساطرة فيما بعد بنساطرة بل كلدان ، لذلك فان طيمثاوس وبابا روما اوجين الرابع هم أول من استعملوا اسم الكلدان إشارةً إلى هؤلاء المجموعة من العراقيين المسيحيين بصفة عامة كأبناء العراق وحضاراته القديمة وليس كاسم قومي خاص بهم أو بطائفتهم أو عرقهم ، لكن ذلك الاتفاق مات ولم يكن له أي اثر يذكر أصلاً حيث رَجع طيمثاوس إلى النسطرة لان أتباعه قاوموه بشدة وكانوا ضد اعتناق الكاثوليكية.
وفي سنة 1552م وعلى اثر الخلاف بشأن توريث الجاثليقية داخل الكنيسة السريانية الشرقية (النسطورية) وبقائها في عائلة محددة هي عائلة أبونا، انفصل عدد كبير من أبناء هذه الكنيسة برئاسة يوحنا سولاقا رئيس دير ربان هرمز في العراق، واتحدوا بكنيسة روما وأصبحوا كاثوليك مع رعيتهم وتسمَّوا بعد قرنين من الزمن بالكنيسة الكلدانية كما سمِّىَّ الجاثليق ببطريرك، حيث ّلُقِّبَ يوحنا سولاقا من قبل روما ببطريرك الموصل في أشور الشرقية،وبه تبتدئ سلسلة جثالقة الكنيسة الكلدانية الحالية ، وقد قدم سولاقا صورة ايمانه بالسريانية التي ترجمها المستشار ماسيوس إلى اللاتينية ، علماً ان يوحنا سولاقا أثناء ذهابه إلى روما لعقد الاتحاد كان يتكلم اللغة العربية في مباحثاته ويقوم مترجم بنقل كلامه من العربية إلى الايطالية واللاتينية .
أمَّا خلفاء سولاقا الذين جاءوا بعده فقد دبت الفوضى بينهم وانقسموا إلى عدة أقسام ولكل قسم جاثليق خاص به، واتخذوا لهم عدة ألقاب مثل جاثليق أو بطريرك أمد(ديار بكر) أو بطريرك بابل أو المشرق أو الأشوريين أو الموصل التي تُسمّى أشور، وعاد قسم منهم إلى النسطرة وقطع العلاقة مع روما مثل الجاثليق شمعون الثالث عشر (1662–1700م)، أمّا الذين بقوا كاثوليك عادوا واتحدوا فيما بينهم مرة أخرى، واستقرت الأمور أخيراً بالاتحاد مع روما الكاثوليكية في عهد يوسف السادس اودو(1847–1878م)، وأول من ربط اسمه بتسمية الكلدان هو البطريرك يوسف الثاني معروف 1696–1712م بعد ان كانت هذه الكنيسة تُسمّى سابقاً بكنيسة السريان المشارقة، وسَرت التسمية الكلدانية عليها رويداً رويداً وتغلبت على التسميات الأخرى خصوصاً عند اتحاد الكرسيان الكاثوليكيان ديار بكر والموصل في عهد البطريرك يوحنا هرمز سنة 1828م ، ولم تعترف الدولة العثمانية بلقب الكلدان إلى سنة 1845م، ثم بدأ اسم الكلدانية يستقر على الكنيسة في التقويم الحبري لكنيسة روما، ومع ذلك بقى قسم من الجثالقة يُلقب نفسه ببطريرك بابل فقط مثل الجاثليق عبد ايشوع خياط (1895–1899م)، وفي ثلاثينيات القرن العشرين قُدمت عدة بحوث من قِبل المشتغلين في ميدان القانون الكنسي الكاثوليكي أهمها بحث الأب كوروليفسكي الذي اقترح ان يكون لقب رئيس الكلدان الأعلى هو: مطران ساليق وقطيسفون رئيس أساقفة المشرق جاثليق بطريرك بابل على الكلدان، لكنه بعد سنتين غيَّر رأيه وعرض لقباً آخر هو "جاثليق بطريرك المدن الكبيرة ساليق وقطسيفون رئيس اساقفة المشرق"، وأضاف قائلاً: إن لقب البطريرك الحالي ليس جيداً ويجب تغيره لان بابل لم تكن يوماً من الأيام مركزاً للكرسي البطريركي، وان المرسلين من كنيسة روما تصّوروا خطأً ان مدينة بغداد هي بابل القديمة، والغريب بالأمر ان بطريرك الكلدان الحالي عمانوئيل دلي يفضّل استعمال لقب تقليدي لا يحمل اسم الكلدان أصلاً! وهو (أسقف المدينة الكبيرة ساليق وقطيسفون وجاثليق بطريرك المشرق) وهو اللقب كما ورد في كتاب الطقوس الحبرية ، علماً أن أول كتاب رسمي من بابا الفاتيكان إلى البطريرك الكلداني بصيغة اللقب الكامل (بطريرك بابل على الكلدان) كان من البابا يوحنا بولس الثاني إلى بطريرك الكلدان بولس الثاني شيخو في 15 كانون الثاني 1989م ، ولغة الكنيسة الكلدانية هي السريانية بلهجتها الشرقية ويسميها الناس السورث أو الفليحي أيضاً.


يتبع