دراسة نقدية لقصيده " أعبر.." للشاعرة ريما ايشوع

صورة العضو الشخصية
جورج سليم عبد الأحد

عضو
مشاركات: 81

دراسة نقدية لقصيده " أعبر.." للشاعرة ريما ايشوع

مشاركة#1 » الأحد أكتوبر 26, 2014 8:27 pm

" أعبر....."

أبحث عن العبور
تسبقني العتمة
تتسلل الى الفراغات
تجرني للهزيمة
أنا لا يغريني النهار
أشعل شمعة
سأرقص مع شمعة
أي احتفال هو هذا؟
رقصة نار
رعشة انحلال
و مستنقع ماء
يطوف عند القدم
و أنا أدخل زمن الغرق
لا، أنا أرفض الاختناق
أتمسك بالنار
بالنار أتمسك
أه، ما أشهى الأحتراق!
أنا أنتشي بالنار!
و لكن عجباَ،
كيف الاحتراق هذا
يدعوني للنشوة هذه
و أنتشي
بالنار
أنتشي
و بالأحتراق
أنتشي
و مع جنون النشوة
أجد العبور
و أعبر!!

ريما ايشوع ابنة المالكية، شاعرة مثقفة ملمة بنظريات الفلسفة وعلم اﻹجتماع، سياسية بامتياز، مكافحة مناضلة، تسعى دائماً لتحقيق الهدف المنشود، ترتطم بجبال شاهقة وتتدحرج أحياناً إلى أعماق الوديان المظلمة لتعود من جديد منتصبة القامة تمشي.

تطغى على كتاباتها الرمزية والصوفية، تبحر عميقاً إلى النفس البشربة لتسقط معاناتها وآﻻمها في قالب شعري تكسوه الطلاسم والصور الجميلة، آملا أن أوفق في فك بعض رموزها وإسقاط الضوء على حياة شاعرة يكتنف حياتها الغموض ويسكن بين جوانحها اﻷلم.

في قصيدة " أعبر... "، للشاعرة ريما إسقاطات عديدة إستمدتها من الميثولوجيا الإغريقية وأركز هنا في دراستي النقدية على فكرة النار واﻹحتراق واﻹختراق. ورغم أن الميثولوجيا كانت تسترسل في الخيال الجامح، إلا أنها كانت تتحدث عن اشواق بشرية عفوية و تلقائية نحو الخير و الحق و الجمال.
إن فكرة النار شائعة في تراثنا اﻷدبي، وتعود لأساطير اﻹغريق حيث قام بروميثيوس بسرقة النار ، التي تعني النور والمعرفة والدفء ، قام بسرقتها من الآلهة وإعطائها للبشر.

تجولت كثيرا محلقا بين نيران اﻷدب والدنيا علني أجد نار ريما في قصيدتها " أعبر. ." فصادفتني في بحثي نيران متنوعة أقف عند بعضها:
نار المزلدفة وكانت توقد ليراها القادم من بعيد. نار اﻹستسقاء أو اﻹستمطار كقربان لهطول المطر.
نار الحرتين وهي نار بركان يثور بين الحين والآخر. نار السلامة وهي توقد للقادم من سفره.
نار الطرد وهي توقد خلف الشخص المغادر رغبة في عدم عودته ثانية. نار السليم وهي توقد للملدوغ والمجروح. نار الغدر للذي ﻻ يقدر المودة والوفاء. نارالغيرة ونار جهنم.

إن تكرار فكرة النار عند الشاعرة ريما ايشوع، ليس حشوا ومجرد تكرار ،وإنما ﻹسقاط فكرة رائعة من خلال بنية النار، التي عكف معظم الشعراء والأدباء في كل العصور على تسليط الضوء عليها، لما تفصح عنه من حرقة متجددة في وجدان الشاعرة التي تدخل في محراب القصيدة متجرعة اﻹحتراق ﻹختراق فضاء آخر (العبور ).
إن هذا اﻹحتراق الشعري تتفيأ الشاعرة ريما تحت ظلال لهيبه متخلصة من برودة الغربة والضياع، فتشدو الدفئ واﻹسترخاء.

" أبحث عن العبور
تسبقني العتمة
تتسلل الى الفراغات
تجرني للهزيمة
أنا لا يغريني النهار "

يمثل البناء التكويني للعالم حركة تضاد وصراع بين اﻷشياء. وإني أرى أن قصيدة " أعبر.." للشاعرة ريما، تمثل نموذجاً رائعا لثنائيات شعرية معبرة كثنائية، "العبور والهزيمة "، " العتمة والنهار "، " اﻹحتراق والنشوة "، لتنقلنا من خلالها إلى حالة وجدانية صوفية تستدعي منا التوقف لدراسة معانيها والكشف عن مكنوناتها.
إن الحضور القوي لهذه الثنائيات له دلالاته القوية في حياة الشاعرة، وليس كونه مجرد حضوراً فيزيائيا طبيعيا، وإنما هذا الحضور يعكس تجربة حياتية قاسية عايشتها الشاعرة وأسقطتها على قصيدتها.

فالضوء ( النهار )، رمز شعري تنضوي تحته كل صور الحياة ومباهجها ووجوهها السعيدة، بينما " العتمة " هي الطرف النقيض الذي يمثل كل صور السوداوية مثل الموت والحزن واﻷلم واليأس وفقدان الحبيب..
فالشاعرة ريما صرعتها الحياة ببؤسها وآﻻمها، فصارت حياتها مكبلة بقيود العتمة التي تجرها إلى هاوية الهزيمة. إنه منطق الظلام الذي ساد عالم الفقراء والطيبين والكادحين.

هذه المعاناة دفعت الشاعرة للهروب إلى الضوء. والضوء في حياة الشاعرة قصير العمر، سرعان ما كان يخبو ويتلاشى نحو الظلام.

" أشعل شمعة
سأرقص مع شمعة "

تتدارك الشاعرة ريما مخاطر العتمة وتأثيراتها على الروح والجسد، فتحاول إشعال شمعة وكأنها تريد أن تقول: أن اشعل شمعة خير من أن ألعن الظلام. وهذا قد يكون مخرجا مؤقتا للحالة المأسوية التي تخيم عليها.
وتعتبر الشمعة تعبيرا تصويريا دقيقا عن خشوع العابد أمام الله. فهي تظهر هادئة ساكنة وديعة،، وقلبها يشتعل اشتعالا بنار ملتهبة تحرق جسمها البارد الصلب، فتذيبه إذابة وتسكبه من فوهتها دموعا تنحدر متلاحقة تاركة خلفها هالة من نور، يسعد بها كل من تأمل بها أو سار على هداها.

تلتهب الشمعة وتضيء فتبدد الظلام وتبعث الحرارة والدفئ إلى من حولها، تتراقص وتتراقص معها الشاعرة:

" رقصة نار
رعشة انحلال
و مستنقع ماء
يطوف عند القدم
و أنا أدخل زمن الغرق
لا، أنا أرفض الاختناق "

إن " مستنقع ماء "، هو المكان الذي تتجمع فيه المياه الضحلة الراكدة، وتعيش فيه كائنات ميتة وكائنات حية تتغذى عليها. إنه واقعنا اﻵن ، مستنقع ضحل تعيش فيه كائنات دخيلة وأفكار تكفيرية مدمرة ﻻ ترقى بروحها حتى مستوى القدم.
وهذا طبيعي أن ترفض شاعرتنا الغوص في تفاهات هذا الزمن، فإن لم تستطع التغيير إيجابياً، فانها ستغرق وتختنق في أوحال الفكر المضمحل.

أتمسك بالنار
بالنار أتمسك
أه، ما أشهى الأحتراق!
أنا أنتشي بالنار!
و لكن عجباَ،
كيف الاحتراق هذا
يدعوني للنشوة هذه
و أنتشي
بالنار
أنتشي
و بالأحتراق
أنتشي
و مع جنون النشوة
أجد العبور
و أعبر!!

إن فكرة اﻹحتراق عند الشاعرة ريما نابعة من نارالوجد واﻷحاسيس الدفينة، لواقع مرير ومؤلم يتجلى من خلال تعابير وطلاسم النص الشعري المتضمن صورا ضبابية متنوعة، إنه البركان.

إن القصيدة بحطد ذاتها تعتبر إنفجارا داخلياً في إتجاه اﻷفق البعيد لعالم الطهارة والصفاء وإلى فضاءات متحررة، تنحو نحو إشراقة اﻹختراق.
فبالاحتراق تتعرى المادة من كل شوائبها لتنكشف أنوارا تضيئ بوجهها الواقع المظلم والمعتم كما تكسب القصيدة نورانية وتألق.
إن هذه التعابير الساخنة التي إستخدمتها الشاعرة، تنتظم في شريط ملتهب في أحضان واقعنا الذي وصل الى وضعية مأسوية حيث صارت معه سهولة القصائد ولوعة الشعراء تصطدم بعجز الحكام وعنجهية التنظيمات المتطرفة.
وهنا تقترب الشاعرة من الواقع المرير والمشتعل بحرارة المعاناة والمأساة لتكتوي بناره كالكثيرين، علها تجد ما يطفئ لهيب حرقتها التي تشتعل في الوجدان وتطغو على كل اﻷحاسبس.

وختاماً فان قصيدة " أعبر.. " في ظل اﻹحتراق وآهات المتألمين، تأتي حقيقة لتروي الظمأ وتثلج صدورنا في ثنايا لحظات صوفية تتجاوز فيها العالم المرئي من خلال سفر روحي.
لذا فإن إحتراقها هو إختراق لعالم آخر،
عبور لعالم آخر تسمو فيه الروح،
ترقص، تطرب، تنتشي وتعبر.....


مع تحيات جورج سليم عبد اﻷحد
ستوكهولم-السويد

صورة العضو الشخصية
المهندس إلياس قومي

مراقب عام
مشاركات: 3569

Re: دراسة نقدية لقصيده " أعبر.." للشاعرة ريما ايشوع

مشاركة#2 » الاثنين أكتوبر 27, 2014 5:07 am

المشاعر تلد مع الأنسان وتبقى البيئة والوسط الذي ينمو بها الفرد
والثقافة التي ينهل منها هي الكمون الرئيسي في تحفيز وتنشيط تلك الجينات الساكنة
المختزنة من تنتظر تماما مثل الينبوع لحظة الأعلان عن ذاتها
لتنفجر وتتدفق وهي تعطر المكان فتزدان العبارة بالألهام والعاطفة والأسلوب
والخيال وصور الأبداع والبلاغة و رشاقة المفردات ...
ليس شرطا أن يسيج الأبهام كل ابيات القصيدة إلا أن الشعر أيضا
لن يكون مسألة رياضية واضحة المعالم وإلا فما قيمة الشعر عندما يكون ترداد لصور
مسبقة الصنع ضمن سبائك منطقية
فيتحول من شعر إلى ماهو النثر على شاكلة القصيدة .
منذ زمن يوم بدأت رحلتي في الموقع الحبيب " كلنا سريان "
وجدت أكثر من شاعرة تكتب فيه كانت ريما هذه واحدة منهنَّ وكي لاننسى ونحن في غمرة
هذه الدراسة النقدية التي أعدها أستاذنا الناقد القدير "جورج سليم" كنتُ قد وجدت زميلتها
وصديقتها إبنة ديريك أيضا الأديبة الشاعرة تيودورا سليم عاشقة الشعر والأدب منذ صباها
لتدفعها تلك الرغبات المشبعة بحب الشعر إلى دراسة الأدب العربي من نهلت منه لسنوات
خلتْ . فهي بحق تعلم جيدا المدارس الشعرية للأدب العربي والعالمي ..كل هذا مادفعني
أن اسعى جاهدا إلى روح اليقظة والكشف عن مواهبهما التي قد منحهما الله كما منحني
البعض منها ايضا . إنني أشكر الله على هذه الثمار وأقرّ معترفا إن ذاك التشجيع
في الردود أوتى بثماره التي نراها من خلال ما ينثرونه من شعر مشبع بالحب والحنين
والوطنية والوفاء وكأن في صدريهما يسكن العالم بآلامه وتطلعاته وحسراته وعذاباته
يعملان كل لأعادة صورته التي تكاد أن تختفي من "الجمال والعذوبة والمحبة "
من شدة مايتعرض له من أهوال ومصائب وتدمير لكل مكونات الحياة .
كما علينا أن نتذكر الشاعرة ورد جرجس والأخت سعاد اسطيفان وما كانتا تنثرانه
من قصائد عدة دون معرفة أسباب تغيبهما وعدم مشاركتهما في هذا الموقع من فتح
صدره لكل عشاق الأدب والشعر .
هذا هو الشعر من يقحم ذاته في كل زوايا الحياة ...وهذا هو الشاعر من يطلق العنان
لا لخياله فحسب بل إلى كل مايراه ويتلمسه
وإلا مانفع الشعر إن كانت لا حياة فيه و لا عذوبه .
جئت بهذه المقدمة كي أعبر عن شكري لله أيضا إن ما أستشعرته مسبقاً من حالة الأبداع
والتمكن مما يقدمه من دراسات نقدية الأستاذ جورج سليم . وهاهو قد نجح في تخطى
كل مقاييس النقد ووالغوص في عمق القصيدة لتسهل لمن يطلع على مادته هذه
ومعانيه الشعرية وما هي مضامينه المخبئة في صدر الشاعر ليزيل عبر مجساته
الشفافة الناعمة غير الجارحة تلك الوشائح التي اودعها ذاك
فيكشف هو عنها كماأسميتها في مقالة لي "حكايتي مع الغربال "" بحصة البيدر"
ضمن هذه دراسته وتحاليله النقدية والأدبية .
الأستاذ جورج يقيناً دعني أهمس لك ، أنك من الذين يعشقون مايقومون به ،
وهذا العشق لايعرفه ولا يقدر مفاعيله سوى من يعلم كيف ومتى يوازن
مابين ساعات الراحة والألهام التي تجىء في أوقات لانحن نخطط لها
بل كل ماعلينا أن لاندع تلك القبسات النورانية القادمة
من الأعالي أن تفلت من مخيلتنا .
لنشكر الشاعرة ريما على قصيدتها الرائعة هذه .
كما أشكرك على أستجابتك لندائي لأجل دراسة هذه القصيدة التي لم تجىء
في طرفة عين بل نالت منك وقتا ليس بقليل .

الناقد الرائع الأستاذ جورج سليم عبد الأحد شكراً لك

honn: sta: honn:

العودة إلى “الناقد جورج سليم عبد الأحد”

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائر واحد

cron
jQuery(function($) { 'use strict'; $('.stat-block.online-list').attr('id', 'online-list'); $('.stat-block.birthday-list').attr('id', 'birthday-list'); $('.stat-block.statistics').attr('id', 'statistics'); $('.collapse-box > h2, .stat-block > h3').addClass("open").find('a').contents().unwrap(); $('.collapse-box, .stat-block').collapse({ persist: true, open: function() { this.stop(true,true); this.addClass("open"); this.slideDown(400); }, close: function() { this.stop(true,true); this.slideUp(400); this.removeClass("open"); } }); var $videoBG = $('#video-background'); var hasTopBar = $('#top-bar').length; function resizeVideoBG() { var height = $(window).height(); $videoBG.css('height', (height - 42) + 'px'); } if (hasTopBar && $videoBG.length) { $(window).resize(function() { resizeVideoBG() }); resizeVideoBG(); } phpbb.dropdownVisibleContainers += ', .profile-context'; $('.postprofile').each(function() { var $this = $(this), $trigger = $this.find('dt a'), $contents = $this.siblings('.profile-context').children('.dropdown'), options = { direction: 'auto', verticalDirection: 'auto' }, data; if (!$trigger.length) { data = $this.attr('data-dropdown-trigger'); $trigger = data ? $this.children(data) : $this.children('a:first'); } if (!$contents.length) { data = $this.attr('data-dropdown-contents'); $contents = data ? $this.children(data) : $this.children('div:first'); } if (!$trigger.length || !$contents.length) return; if ($this.hasClass('dropdown-up')) options.verticalDirection = 'up'; if ($this.hasClass('dropdown-down')) options.verticalDirection = 'down'; if ($this.hasClass('dropdown-left')) options.direction = 'left'; if ($this.hasClass('dropdown-right')) options.direction = 'right'; phpbb.registerDropdown($trigger, $contents, options); }); });

تسجيل الدخول  •  التسجيل