دراسات نقدية 2 " النرجسية وحب الذات" بقلم جورج سليم عبد اﻷحد

أضف رد جديد
صورة العضو الرمزية
جورج سليم عبد الأحد
عضو
عضو
مشاركات: 79
اشترك في: الاثنين ديسمبر 09, 2013 4:20 pm

دراسات نقدية 2 " النرجسية وحب الذات" بقلم جورج سليم عبد اﻷحد

مشاركة بواسطة جورج سليم عبد الأحد » الثلاثاء مايو 13, 2014 7:34 pm

دراسات نقدية 2 " النرجسية وحب الذات ".
بقلم جورج سليم عبد اﻷحد

إن الحديث عن النرجسية قديم جديد، فغالباً ما نسمع هذه الصفة تُطلق على فلان أو فلانة من الناس. فيقال أنه نرجسي وأنها نرجسية.

ولدراسة هذه الحالة النفسية وإسقاطها على الواقع، علينا أن نبحث عن مصدر النرجسية وتعريفها ومن ثم التركيز على عناصرها وخصائصها.

أن نسبة النرجسية (Narcissism) عائدة إلى نارسيس (Narcisse) وهو فتى يوناني ورد ذكره في الأساطير اليونانية. وتقول الأسطورة أن نارسيس كان فتى رائع الجمال، وان إحدى الفتيات ََهامت بحبه ومن فرط حبها له وإعجابها به ساءت حالها ومرضت بسببه. ومن اجله كابدت وصبرت حتى أضناها هذا الحب وجعلها تذبل حتى فارقت الحياة. ولكن الآلهة لم تترك الفتى دون عقاب. فكان العقاب أن يعشق نفسه بصورة مرضيه عندما رأى صورته منعكسة على الماء، لذلك اخذ يجلس الساعات الطوال أمام صورته بكل فخر وزهو. واستمر على هذا الحالة حتى مرض نفسيا بسبب هذا التعلق الذاتي.وما هي إلا فترة بسيطة حتى فقد عقله. وفى إحدى خلواته وعشقه لنفسه قفز إلى بركة الماء ليمسك صورته ولكنه غرق ومات. وظهرت في مكانه زهرة سميت على اسمه وهى زهرة النرجس. وأطلق اسمه بعد ذلك على كل من يركز اهتمامه على ذاته أو يجعل من نفسه ومشاعره مركز العالم .والنرجسية في اللغة العربية تعني "الحب المرضي للذات" .

*****

النرجسية كتعريف هي نمط ثابت من التعاظم والعظمة المبالغ فيها على مستوى السلوك الشخصي، وتشير عموماً إلى الشعور الذي يستحوذ على المرء ويجعله يعشق صورته أو أنانيته أو جسده أو مثالاً معيناً له، وهو مفهوم بالغ الأهمية في نظرية التحليل النفسي للذات.

تتميز الشخصية النرجسية بالتعجرف والنقص في التعاطف مع الآخرين و فرط الحساسية تجاه آراء الآخرين. فهم لا يستطيعون تقبل آراء الآخرين بأي شكل من الأشكال دون أن يتركوا الآخرين يلاحظون ذلك، ويستهزئون بشكل غير مباشر من آراء واقتراحات الآخرين، بل ويدعون أنهم يعرفون ما يفكر فيه الآخرين وأنهم ليسوا بحاجة إلى محاضرات الآخرين. ويبالغ النرجسيون في إنجازاتهم وميزاتهم ومحاسنهم ويتوقعون من الآخرين أن يعترفوا لهم بالجميل بصورة خاصة، سواء كان هذا الاعتراف مبرراً أم غير مبرر. ويستحوذ عليهم وهم النجاح والسلطة والتألق ويعتقدون أن وظيفتهم ضبط الأمور تحت سيطرتهم لأنهم على حق والآخرين على خطأ. والنرجسي هو استغلالي، ابتزازي، وصولي يستفيد من مزايا الآخرين وظروفهم في تحقيق مصالحه الشخصية، وهو غيور، متمركز حول ذاته يستميت من أجل الحصول على المناصب لا لتحقيق ذاته وإنما لتحقيق أهدافه الشخصية.


*****

والنرجسية تنشأ عن إضطراب العلاقة بالذات في مراحل النمو المبكرة، وغالبا ما يكون لدى الشخص إستعداد وراثي للأصابة بها. وهنا علينا ان نميز بين النرجسية وحب الذات لأنهما حالتان مختلفتان وليستا واحدة كما يعتقد كثيرون .إن حب الذات حالة صحية فيما النرجسية حالة مرضية. فان يحب الفرد ذاته فهذا يعني انه على وفاق معها ،وأنهما يسعيان الى أن يكونا بحال أفضل اعتباريا ومعرفيا، شرط أن يكون هذا الحب قائما على تقدير موضوعي لما يمتلكه من قدرات ومواهب، وأن لا يدفعه إلى التعالي على الآخرين او الحط من قيمتهم .ولهذا يحق للشاعر او المثقف ان يعتز بنفسه(ذاته) وبمنجزه الشعري أو الأدبي.

 لكننا ننبّه الى حالة  سيكولوجية لدى المثقف بشكل عام والشاعر بشكل خاص لا تقدرها ثقافتنا العامة هي أننا جميعا لدينا الحاجة إلى إعجاب الآخرين حين نُنْجز شيئا ذا قيمة، تماما  كحاجتنا إلى الماء حين نعطش. لكن ثقافتنا أشاعت أن الفضيلة هي في التواضع وإنكار الذات ..وهذا هو أحد أسباب شعور المثقف بالأغتراب الاجتماعي. وكم من المثقفين المبدعين هجروا مجتمعاتهم لأنهم ما شعروا بتقديرها لمنجزاتهم ،ولا أشبعوا حاجتهم من الإعجاب.

*****

يعتقد صاحب الشخصية النرجسية، بأنه فوق الجميع وفوق كل نقد لأنه لا يرى انه يقوم بأخطاء، ويتساءل من هم الآخرون حتى ينتقدونه. ولذلك فالمشكلة الكبرى لدى النرجسي انه لا يدرك أنه مريض ويحتاج إلى معالجة أو تغيير في سلوكه على الرغم انه يلاحظ جفاء الآخرين وابتعادهم عنه ، ويرجع ذلك إلى العيب في سلوكهم هم وليس سلوكه هو، وهذه حالة في غاية الخطورة .

أما بخصوص "حب الذات"، فهو غريزة إنسانية موجودة لدى الجميع، ولكن هذه الغريزة تظل محكومة بمنطق اجتماعي وأخلاقي يحاول التخفيف من بروزها بشكل حاد عن طريق جعلها تنافي قيم الذوق وإحترام الذات. وبالتالي فإن الإهتمام الزائد بالذات ومحاولة جعلها بؤرة الإهتمام هو ما يجعل صاحبها أو صاحبتها يوصف بالنرجسية. والنرجسي دائم الحديث عن نفسه ولا يمل من المديح، وهو دائماً يخبرنا بأشياء كثيرة عن نفسه حتى لو لم نرد سماعها. فتجده يسمح لنفسه بالدخول في موضوعات قد لاتلائم سياق الكلام، وهو يفعل ذلك ربما لجذب إنتباه السامع. والأمر يكون أقوى مع السيدة لأنها تُدخل جمالها الجسدي في صلب الموضوع، وتغمرها الفرحة بشكل لاحدود له، حينما تسمع الإطراء الذي يتعلق بامتداح أجزاء من جسدها وبخاصة إذا كان ذلك المدح صادراً من رجل.

أما وصف قدراتها العقلية فإنه يكون محل تقدير عندها إذا كان يمثل مدخلا مناسباً للحديث عن أناقتها الجسدية.وتغطّي "الأنا" على معظم كلام النرجسي، وحينما يكون الموضوع لا يتعلق به فلا يهتم به، وفي الغالب يدفع النرجسي مدار الحديث لكي يحوم حوله من جديد. ويلاحظ أن نبرة الصوت ترتفع حينما يتعلق الأمر بالحديث عن الذات وعن أوصافها وإنجازاتها وقدراتها، ثم يخبو صوته ويصاب بالخمول والوهن حينما يكون الحديث موضوعياً لا يتعلق به. وقد يتعمد النرجسي الكلام برتابة وكسل حتى يُشعر من حوله بملله من الموضوع المطروح في رغبة كامنة منه لتغييره إلى موضوع آخر يمكن أن يبرز فيه. هذا بالنسبة للرجل في مجتمعنا، أما المرأة فيمكن الحديث عن سلوكها، فهي في الغالب تريد المدح وتسعى إليه. وحينما تفشل في الحصول عليه، فإنها تبادر إلى إبرازه بنفسها عن طريق افتعال مواقف معينة تقارن نفسها بغيرها من الفتيات مثلا ، أو تنقل وصف آخرين لجمالها أو تصف جمال سيدة أخرى ربما تكون فنانة مشهورة أو شخصية معروفة ثم تحط منها مباشرة بمقارنتها بنفسها. والمحصلة أن عقل النرجسية مشغول طوال الوقت بالحصول على الإطراء لجسدها.

*****

وعند النظر في أسباب بروز هذا النمط من الشخصيات، يلاحظ أن التربية منذ الصغر في المنزل والمدرسة تلعب دوراً في تعميق الإحساس باﻹحباط عند الطفل، وأنه لا يوجد أحد يقدّره أو يثني عليه، فتنشأ عنده الحاجة النفسية إلى الإطراء. وقد يساهم الوالدان في تعويد الطفل على الاعتداد بذاته عن طريق مبالغتهما في إسباغ صفات خارقة على جمال الطفلة مقابل التقليل من غيرها، أو إطراء يتجاوز الحد لأي عمل يقوم به الطفل. فهذه من العوامل التي ربما تنتج هذا النمط من الشخصيات التي لا تعرف نفسها حق المعرفة. ولعل التربية المتوازنة للطفل بتعريفه بقدراته وإمكانياته الحقيقية وتشجيعه على تطويرها يمكن أن ينتج شخصيات أقل تطرفاً في الاعتداد بالذات أو الانكفاء عليها، واكثر انفتاحاً على المجتمع .

*****

وأما الفروق بين الذكور والإناث في درجات النرجسية السوية أو المرضية، فإنها أعلى لدى الإناث وخاصة في فترة المراهقة، ومن أبرز مظاهرها كثرة إستخدام المرآة وكثرة إستخدام كلمة أنا، ولكن بعد الزواج والانشغال بالأطفال قد ينخفض مستواها إلى الحد الطبيعي وقد يستمر في الحالة المرضية.
.

وختاماً لا يسعني إلا أن أختم بقول الرب:

" مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي ".
فكيف بالذي يحب نفسه أكثر من الرب !!!!!

وإلى اللقاء في دراسات نقدية 3

بقلم جورج سليم عبد اﻷحد
ستوكهولم-السويد
آخر تعديل بواسطة جورج سليم عبد الأحد في الخميس مايو 15, 2014 7:46 am، تم التعديل مرة واحدة.

صورة العضو الرمزية
المهندس إلياس قومي
مراقب عام
مراقب عام
مشاركات: 3487
اشترك في: الجمعة إبريل 02, 2010 5:02 pm

Re: دراسات نقدية 2 " النرجسية وحب الذات" بقلم جورج سليم عبد

مشاركة بواسطة المهندس إلياس قومي » الخميس مايو 15, 2014 12:44 am

[center]ماذا بوسعنا أن نكتب ونعلق على دراسات نقدية
لناقد أدبي له باع طويلة في النقد الأدبي والدراسات الأدبية
وهذه الدراسة النقدية الثانية التي يتحفنا بها الناقد العزيز جورج سليم عبد الأحد ليعرفنا
عن داء "النرجسية " وليميط اللثام عن هذا الداء والداء الأخر الأ وهو " حب الذات " القريب منه
وبالكاد أن نعرف ما الفروقات التي تفصل بين كليهما سوى أن :
"حب الذات " في حدوده الدنيا ، لا أعتراض عليه فلطالما سمعنا أنه من الضروري
للفرد أن يحب ذاته.. ومن لم يعرف حب الذات كيف له أن يحب ممن سواه . لكن دون أن تطغى هذه الحالة
على حب الجماعة ، والمحبة التي تعلمناها من الوسط الأجتماعي والتعليم الديني الذي تربينا بموجبه .
فشعورنا بضرورة التواجد مع الأخرين يبعد عنا حالة من الكأبة والقلق التي لابدَّ وأن نرجع إلى الوراء قليلا
لنتعرف عن المسببات الأولية لهذا الأنتثار في وسط الجماعة . وهل من جذور ومسببات تعود بنا
إلى التنشئة المبكرة وسط عائلة مؤلفة من أعداد كبيرة .
أم أنه حالة معاكسة إلا وهو الحرمان من قصص الحب الطفولية ولو إننا لاننكر تواجدها
ولو بصور شبه ضبابية . أما ما اراد وأكد عليه هذا الطبيب صاحب التحاليل النفسية
والعقد المختبئة في صدورنا تلك "النرجسية " معرجا على امثلة من الحياة ومفصلا مابين الرجل
والمرأة رغم كل هذا تبقى الأمور طبيعية فكل منا قد جاء من خلفيات معينة وله ثقافة شبه خاصة
تختلف لحد ما عن الأخر.
وكما أنني أقر وأعترف من خلال ملاحظاتي ومتابعتي لأناس معينين أكاد أجزم أن اليتم له أثر
كبير في حالة الفرد المستقبيلة ومعذرة من أحبائنا ممن عاشوا في مثل هذه الحالات .
تراهم يتميزون كثيرا بالنرجسية أو لنقل بحب الذات و لربما قائلا يقول :أن هذا تبريرا لتلك حالتهم .
هذا ما شاهدته من خلال تواصلي وعلاقاتي الشخصية مع أناس ازورهم ضمن عوائلهم واعرفهم جيدا .
من جهة ثانية
فأنَّ فقدان أحد الأبوين يخلق ويقوي وينمي حالة " حب الذات " عند من هم في سن مادون البلوغ .

لك جزيل الشكر أستاذنا الناقد جورج سليم عبد الأحد
صاحب الدراسات العلمية والخلفية الفلسفية والنفسية .

honn: sta: honn:
سلمت يداك[/center]

أضف رد جديد

العودة إلى ”الناقد جورج سليم عبد الأحد“