من ذاكرة الطفولة . بقلم : فريد توما مراد

أضف رد جديد
صورة العضو الرمزية
فريد توما مراد
عضو
عضو
مشاركات: 742
اشترك في: الجمعة أغسطس 24, 2012 10:38 pm

من ذاكرة الطفولة . بقلم : فريد توما مراد

مشاركة بواسطة فريد توما مراد » الأربعاء نوفمبر 14, 2012 7:07 pm

من ذاكرة الطفولة
صورة

فوجئتُ عندما نظرتُ إلى المرآة ، إنها المرّة الأولى التي
يُحلقْ فيها شعرَ رأسي( على الصِفرْ ) ، ثمّة علامةٍ بدت
واضحة ، ناصعة البياض ، ربما لأنها المرّة الأولى التي
ترى فيها وجهُ الشمس ، كانت أشبهُ بضربة موسٍ بطول خمسُ
سنتمترات ، شطرتْ مقدمةَ رأسي إلى نصفين .! سألتُ العم
(شمعون الحلاق ) عن سبب هذا الخط البرَّاق ومن أينَ أتى ؟
فقال مبتسماً : لا أعلم ! الأفضل أن تسأل جدَّكَ أو جدَّتكَ عنهُ .
كنتُ في حوالي العاشرة من عمري آنذاكْ ، وكانَ العم شمعون
الحلاّق قد تعهَّد أن لا يأخذ منيَّ إجرة الحلاقة أو التصوير
ما دامَ هو يعمل في هذه المهنة ، وذلك بسبب الشراكة التي
كانت تربطهُ مع والدي المرحوم ، والمحبة الصادقة التي
كانَ يكنَّها واحدهم للآخر . خرجتُ من المحل مسرعاً نحو
البيت، والأفكار الطفوليّة تدور في ذهني، واحدة تلوى الأخرى
ورحتُ أسألُ نفسي : كيفَ سيقابلونني في البيت عندما
يشاهدون هذا المنظر الشبهُ إجرامي في رأسي ؟ وكيفَ ستكون
ردودَ فعلهم ؟ وكيف.... وكيف..؟ وإذ بيَّ أجدُ نفسي قد
فتحتُ باب الحوش وأصبحتُ في فسحته . لم يكن جدّي
هناك ، بل كانت جدَّتي تنشرْ الغسيل فوقَ ذاكَ الحبل الممتدْ
من أول الحوش إلى آخره ، ودونَ أن تنظر قالتْ : أذهبتَ
وقصصتَ شعركَ ؟ والأرجح إنها عرفتني من وقع خطواتي
الصغيرة ، قلتُ لها : نعم ! لقدْ فعلتُ . شعرتْ جدتي بتغير ما
في نبرة صوتي ، وأحسَّت بلهاثي المتقطّعْ ، فأستدارتْ بسرعة
لترى ماذا جرى ، خصوصاً لأنني كنتُ غالياً جدَّاً على قلبها
وكانتْ تخافُ عليَّ من نسمةِ الصباحْ كما يُقالْ ، وكانتْ المفاجأة
عندما نظرتْ إلى رأسيَ الحليقْ وبدأت تضحكْ وتضحكْ
وكأنها إكتشفت فيَّ شيئاً لم تراهُ من قبل ، أو ربما رأتهُ فذكَّرها
بمشهدٍ حدثَ منذُ سنين ! قلتُ : ما بكِ يا جدَّتي لماذا تضحكين ؟
لكنها لم تجبْ ، بل إستمرّتْ في الضحك ْ، إقتربتُ منها أكثر
علّني أفهم ماذا يجري ، ولِما هذا الضحك كلّهُ ، وعندما أصبحتُ
على مقربةٍ منها ، هُنا توقَّفتْ عن الضحك ، وأخذت رأسي
بينَ يديها وقبَّلتهُ ، فبادرتها سائلاً عن سبب الخطْ الظاهر
في رأسي ، هلْ تشاجرتُ مع أحّد من أولاد الحارة وضُربتُ
بأداتٍ حادّة وأنا لاأعلم ؟ أم أذيتُ نفسي بنفسي عندما كنتُ
صغيراً ؟ أم هكذا جئتُ من بطنَ أمّي ؟ فأطلقت جدَّتي حسرةً
عميقة وقالتْ : لا يا بُنيَّ ، كل الذي ذكرتهُ لم يكنْ ، فقبل بضعة
سنوات ، كنتَ في السنة الثانية من عمرك ، وكانَ لم يمضي
على رحيل والدكَ سوى بضعةَ أشهر ، كُنّا مكسورينْ القلب
والخاطر ، وكنتَ أنتَ وقتها ما يُفرِّح قلبنا ويُطيّب خاطرُنا
وفجأةً أصابكَ سُعالْ ديكي مزمنْ ( كانَ يسمّى وقتها بالبقّكيْ )
أخذناكَ إلى الطبيب ولكن دونَ جدوى ، كانَ السُعال يزداد
أكثر وأكثر ، وأحياناً كانَ يصلْ إلى درجة الإختناق والإغماء
طالتْ المدّة وساءتْ الحالة ، ونحنُ ليس باليدِ حيلة أكثر مما
فعلناهُ معكَ ، أخيراً نصحونا بالطب العربي وقالوا يجب أن
تأخذوه إلى عندْ ( أم أحمديه صورْ ) فمن يديها يذهب هذا
المرض ، أخذناكَ إلى عندها أنا وجدّكَ وأمَّكَ ، والمفاجأة
والدهشة كانت ياإبني عندما رأيناها قادمة نحونا حيثُ كانوا
قد أجلسونا في فناء الدار الواسع لكيما يُخبروها بقدومنا
أجل جاءت يابُني ، وأشكرالله بأنكَ كنتَ صغيراً وقتها لاتفقهُ
شيئاً ولا تعلم ما يدري ، جاءت وفي يدها (موسَ حِلاقة )
قد فتحتهُ وجهَّزتهُ مسبقاً ، عندما رأينا ذاكَ المشهد أنا وأمّكَ
إرتعدتْ فرائصُنا وبدأنا نرجف ، ومن غير الدخول معنا
في كلام ونقاش ، مجرّد أسئلة سريعة ، أجبناها عليها
طلبتْ أن أأخذك من أمّكَ وأضعكَ في حضني ، لأنّها
لازالت صبيّة وربما لاتتحمل مثلي المشهد .
وقفتْ الخالة العجوز فوق رأسي وأنتَ في حضني
وأخذتْ تتمتم ببعض الكلمات الغير مفهومة ، ثمَّ أمسكتْ
رأسكَ بيدها اليسرى ، وقالت : بسم الله ، وجرّت ما كانتْ
تمسكُ بيدها اليمنى على مقدّمة رأسكَ ، وبأقل من ثانية
إصطبغَ وجهكَ الطفولي بالدم ، وبدأتَ تبكي وتصرخ
ولكن لم تكن وحدكَ أبداً بالبكاء ، فبكائنا وصريخنا
أنا وأمّكَ كان يفوق ويعلوعليكَ ، أنا أصرخُ من ناحية
وأمّكَ من ناحية أخرى ، وكيفَ لانصرخ وكنّا نخافُ
عليكَ من وخزة صغيرة ، والآن نراكَ مذبوحاً أمام
أعيننا كَخروفٍ صغير .! لهذا يابني عندما رأيتكَ
ونظرتُ أثرَ ذاكَ الجرح في رأسكَ ، تذكّرتُ تلكَ
اللحظة ، وذلكَ المشهد ، فبدأتُ أضحكْ .
الشكر لله أولاً ، من ثمَّ للخالة أم أحمديه صور التي
تكرّمت( بموسِها الحاد) على رأسي وفتحتْ فيه أخدوداً
فاض بالدماء المتدفقة على وجهي الطفولي فكان سبباً
لشفائي من ذاكَ السعال اللعين .
بعدَ حوالي السنة تقريباً أُصبتُ مرّةً أخرى بذاتِ الحالة
ولكن لستُ أعلم إن كانت ( السعّلة الديكيَّة أم السعّلة
العوائيَّة )[ الأولى سُمّيت هكذا لقرابة لحنها من صياح
الديك ، والثانية لبحَّتها الشبيهة بعواء الكلب ].
وللأسف كانت أم أحمديه صور قد ودّعتْ الحياة لتلقى
مصيرها عندَ ربِّها ،فأخذني جدّي إلى عند العم سليمان.
هذه المرّة ليست كالمرّة الأولى أبداً ، هناكَ كنتُ إبنَ
سنتين لا أفهم ولا أدركُ شيئاً ، أما اليوم فأنا في حوالي
الحادية عشر من عمري واعياً ومدركاً لكل شيء .
أجل أخذني جدّي في ذاكَ الصباح الربيعيّ الباكر
إلى بيت العم سليمان الذي كانَ لا يبُعدْ عن بيتنا سوى
بضعة دقائق ، طرق جدي باب الدار عدة طرقات
بيده اليمنى الصلبة الخشنة وأنتظر ، فُتح الباب
بعد قليل فوجدتُ نفسي أمام رجلاً كهلاً قد كللَّ الشيبُ
رأسهُ ، يرتدي جُلبابا أبيضاً (كلاَّبيَّة ) كان لازال أثرَ
النعاس بادياً في عينيه ، فحيَّاهُ جدّي بإسمه تحية الصباح
فعلمتُ أنَّه العم سليمان المقصود ، الذي يُشفي الناس
لأنني في البداية ظننتهُ ملاكاً هابطاً من السماء ، خصوصاً
أنَّ أُمّي (رحمها الله ) كانت تحدِّثني عنهم كثيراً عندما كُنَّا
نأوي إلى الفراش ،وكانت تصفهم ليَّ بأنَّهم أشخاص
يرتدون ملابساً بيضاء ولهم أجنحة يُحلّقونَ بها في الفضاء
لكنني عندما نظرتُ إلى الملاكْ الواقف أمامي ولم أرى
أجنحتهُ ، قلتُ بيني وبين نفسي لا بُدَّ أنهُ قد خبَّأهم
تحتَ جلبابه وقد يُخرجهم عند اللزوم .
دخلنا أنا وجدّي، يتقدَّمنا العم سليمان وأنا لم أسمع
بماذا كانوا يتحادثون قبل أن نتّجه إلى فسحة الدار
وربما لأنَّ عقلي كانَ في تلكَ اللحظة مشغولاً في
أمورٍ أخرى مع الملائكة وأجنحتهم .
دخلَ العم سليمان إلى إحدى الغرف الترابيَّة المُطلّة
على فسحة الدار الرباعيِّ الأبعاد ، ليخرج بعد قليل
وبيدهِ مديّةً طويلة تُشبهُ تلكَ التي يستخدمونها في المطبخ
ولا أعلم أنَّهُ كان قد جلبها من هُناك أم من إحدى الغرف
وبمجرّد ما وقعتْ عيني عليها قلتُ : يا إلاهي !
السكيّن مرّة أخرى ؟ وهل ستفعل بيَّ كما فعلتْ في
المرَّة الأولى ؟ ولماذا هي حاضرة دوماً ولا شفاء بدونها ؟!
أخذَ العم سليمان يتفحّص السكيّن جيّداً ويمرُّ بالإبهام والشاهدْ
فوقَ نصلِها تمريراتٌ بطيئة ، وكأنَّهُ كانَ يتأكد من شطارتهِا
في الذبح ، وبإشارةٍ منهُ إلى جدّي ، تدلُ على القبض عليَّ
من الخلف ، كانت يداهُ بلحظة البرق قد شدَّت على كتفايَ
وأحتجزتهم بقوّة لدرجة أنّهُ يستحيل عليَّ الإنفلات والفرار
تقدَّمَ العم سليمان منيَّ حتّى أصبحنا وجهاً لوجه ، وبما أنهُ
كانَ يفوقني قامةً ، كنتُ لا أرى أمامي سوى بياض جلبابهُ
المتهدِّل فوق جسمهُ النحيل ، وتلكَ السكين الرهيبة بيده اليمنى
أمّا رأسهُ فكان قد غابَ عنيَّ ، وربما أنا لم أكن أتجرأ لأرفعَ
رأسي وأنظرُ إليه ، وبحركة عجائبيَّة منه كانت السكين
قد أخذت موضعها حول رقبتي ، وهُنا بدأتُ أرتجف كقصبة
يانعة في مهبْ الريح ، وربما أستحضرني فجأةً ما روتهُ
ليَّ جدَّتي في الواقعة الأولى مع أم أحمديه صور ، وكيف
شطرتْ رأسي إلى نصفين ، وكيف تدفَّق الدّم وأنهدرَ فوق
وجهيَّ الطفولي البريء . فقلتُ : لا .. إنها حتماً نهايتي
اليوم ، ففي المرّة الأولى كانَ رأسي ، أما في هذه المرّة
فهي رقبتي ، والرقبة لامُزاحَ معها ، والإنسان إذا ذبُحَ
من رقبته يموت،هكذا يفعلون مع الدجاج والأبقار فيموتون
وكانَ جدّيَ في تلكَ الأثناء يشدَّني بقوّة ويدفعني إلى الأمام
لأنني كنتُ أُحاول التراجع إلى الخلف من شدّة الرعب
والخوف ، كان أشبه بأبينا إبراهيم وهو يقدِّم إبنهُ إسحق
إلى الذبح قرباناً لله .
بدأ العم سليمان يلفُّ السكينَ حول رقبتي بحركاتٍ منتظمة
حيث كان يجعلها خلفَ رقبتي بيده اليمنى ، لتستلمها يدهُ
اليسرى وتأتي بها إلى مقدَّمة الرقبة ، فتسلِّمها إلى اليد
اليمنى وهكذا ، ومع كل حركة من هذه الحركات ، كانَ
العم سليمان يدمدم بينهُ وبين نفسه ، كلاماً غيرُ مفهوم
وأنا مع تلكَ الدمدمات والحركات الإرهابيّة حول رقبتي
كنتُ أرتعب وأرجلي من تحتي تهتزُّ خوفاً وترتجف
وكأنها تقدِّمُ مشهداً إستعراضياً لرقصة(فلامنكو) جديدة على
إيقاعات قلبي الخفَّاق ،وسُعاليَ الصدَّاح ، وكلما أسرعَ في
الدمدمة والغمغمة والحركة حول رقبتي، أزدادت تسرعات
وإيقاعات قلبي ، فتزدادُ معهم إهتزازاتُ رجليَّ ، وفي
كلِ مرّة تمرُّ فيها السكين أمام وجهي وأراها أقول : إنها
المرَّة الأخيرة ، ولكنَّها تكمل مسيرها مع دمدمات وغمغمات
العم سليمان ، وكأنه قائد فرقة موسيقيَّة عظيمة .
كم كانَ موقفاً صعباً بالنسبة ليَّ في تلكَ اللحظات التي
كنتُ فيها مقيَّداً وخائفاً ومرتعشاً ، وليس باليد حيلة
جدّي من ورائي والعم الجزَّار من أمامي والسكين
حول رقبتي فأينَ المفرُّ ؟!
أغمضتُ عيناي لكي لا أرى، وأردتُ أن أُسِدَّ أذناي أيضاً
لكي لا أسمع ، ولكن للأسف لم أستطع فقد كانت يدايَ
لاتزال مقيّدتين من قِبل جدّي .
بعد قليل شعرتُ وكأنَّ تغيّراً ما قد حدثْ ، فلم أعد أسمع
دمدمات وغمغمات العم سليمان ، والحركة حول رقبتي
كأنها توقفت ، والقيود من على أكتافي أُزيحتْ
وأنا لازلتُ مغمضاً عيناي ، حتى سمعتُ صوت
جدي يقول : الله يعطيك العافية سليمان ويقوّيكْ
وهنا جاء صوت العم سليمان ليقول : الله يعافيك
مراد والله يشفيه !.
فتَّحتُ أعيني لأرى ماذا يحدث ، وهل أنا فعلاً
لازلتُ على قيد الحياة ، ألتفتُ إلى الخلف فوجدتُ
جدّي واقفاً ، أستدرتُ مرّة أخرى إلى الأمام ، فرأيت
العم سليمان لا زالَ واقفاً بجلبابه الأبيض والسكين
في يدهِ ، مسحتُ بيدي على رقبتي ثمَّ نظرتُ إليها
لأتأكد من وجود الدّم ، ولكن لم يكن أيُ أثر له
ورقبتي كانت سليمة ، فتأكدتُ بأنني لازلتُ على
قيد الحياة ، وهنا إلتفتُ إلى جدّي فرأيته يضحكْ
ثمَّ نظرتُ إلى العم سليمان فوجدّتهُ هو الآخر يهتَّزُ
ضحكاً تحتَ ذاكَ الجلباب الواسع ، ثم قال لي ساخراً :
أكنتَ تتوقع بأنيّ سأذبحك ؟! هذا آخر ما سمعته من
العم سليمان حينذاك.
شكراً للعم سليمان الذي بفضل الله وفضلهُ وفضل
تلكَ السكين المرعبة شفيتُ من تلكَ السعلة اللعينة
وبقيتُ مرّة أخرى على قيد الحياة .
بعد سنوات أُصبتُ مرَّة أخرى ولكن ليس بالسعال
الديكي ولا العوائي ، إنما( بالأبوصفار) هكذا كانوا
يُسمّونه ولا زلنا نحنُ أيضاً نطلق عليه ذات التسمية .
كنتُ في بداية الخامسة عشر من عمري عندما
أخذتني والدتي إلى بيت الخالة( بسّهْ )، بحجة أن إبنتها
التي كانت تشتغل ( كنزات صوفْ) سوف تأخذ مقاسي
لتعمل ليَّ واحدة . دخلنا غرفة المشغل ،كانَ هناكَ عددٌ
من الفتيات يعملنَ ويضحكنَ ويتحدَّثن ، واحدة منهنَ
التي أستقبلتنا ورحَّبت بنا ، وكأنها هي المسؤلة وصاحبة
المشغل ، ثمَّ أجلستنا على أريكة كأنَّها كانت مخصصة
للزوَّار والزبائن ، وراحت تتكلم مع والدتي عن
نوعيَّة ( الكنزة ) وشكلها وموديلها ، وأنا جالسا مطأطأ
رأسي نحو الأرض ، لأنني كنتُ أستحي أن أرفعهُ
خجلاً من تلكَ الفتياة اللواتي كنَّا ينظرنَ إليَّ ويتغامزنَ
بين بعضهنَّ البعضْ ، وكأنَّ أمراً غير طبيعيَّاً حدثَ
أو سوفَ يحدثْ .!
طلبتْ مني تلكَ الفتاة التي أستقبلتنا أن أقفْ لكي تأخذ
القياسات ، فوقفتُ وعلامات الخجل ظاهرة على وجهي
وبينما هي تقوم بعملها وتأخذ الطول والعرض وإلى
ما هُنالك من مقاساتٍ أخرى ، سمعتُ والدتي تقول:
أهلا وسهلا خاليهْ بسّهْ ! وبحركة عفويّة ودون مبالاة
نظرتُ لأرى من تكون هذه ( الخالة بسّه) التي رحَّبتْ
بها أمّي ، وليتني ما نظرتُ ! وما جاءت عينايَ في عينيها
كانت وكأنَّ شرارٌ من اللهب ينبعث منهما ، كانَ وجهها قاتماً
عبوساً تنبعث منه رائحة الكراهيّة والبغض علاوةً على تلكَ
التجاعيد والمطبَّات والتعاريج المخططة عليه حيثُ كانت
تزيدهُ رعبٌ واحتقان . لماذا هي هكذا ؟ تساءلتُ بيني وبينَ
نفسي ، ولماذا لم ترد التحيّة على أمّي ؟ وما الخطأ الذي
إرتكبناهُ ؟ كل هذه التساؤلات طرحتها على نفسي بسرعة
قصوى ، وهي تتقدم نحونا دون أن تنبس ببنة شِفة ، وكان
من الواضح أنَّها قادمة إلينا لا محالة ،فعندما أصبحتْ على
مقربة جيّدة منّا ، إلتفتتْ إليَّ ونظرتْ في وجهي بغضب
ثمَّ ملأت فمها بالبصاق وتفلتْ عليه ،وهي تقول بعصبيّة:
كيفَ لا تسمع كلام أمّك يا بلا أدبْ ، ثمَّ رفعت يدها اليمنى
وصفعتني صفعة على وجهي أرتني فيها نجوم الظهر
وهي تهدد وتتوعّد بأنها ستعاقبني أكثر إن لم أسمع كلام أمي !
ماذا جرى ؟! ... ماذا حدث ؟! .. لن أعد أعلم ولا أفهم شيئاً !!!
كل ما أعلمهُ بأنني أتيتُ إلى هنا ليأخذوا مقاسي ، ولكن
ماعلاقة هذا بالإهانة والضرب وهذا البُصاق على وجهي
ومن تكون هذه العجوز التي فعلت بيَّ ذلك ؟! وكيف
سمحت لها أمّي أن تتصرف معي هكذا وأنا طفلها المدلل ؟!
وهنا لم أعد أتمالك نفسي أبداً ، أسودَّت الدنيا أمامي ، ولم
أعد أرى أحَّداً مطلقاً ، لا أمّي ولا تلكَ العجوز ولا إبنتها
ولا الفتيات ، ولا شيءٌ آخر ، سوى قليلاً من شعاع الشمس
الداخل من باب الغرفة المفتوح ، فصرختُ بكل ما كنتُ
أمتلكْ وقتئذًٍ من قوّة ، وأسرعتُ بإتجاه شعاع الشمس
حتى صرتُ خارج الغرفة ، وأنا بيني وبين نفسي أتوّعد
وأُهدد بأنني سأضرب رأس تلكَ العجوز بحجر إذا رأيتها
في مكانٍ ما ، وأنا لا زلتُ أركض دونَ النظر إلى الوراء
كانت أمّي في تلكَ الأثناء تجري ورائي وترجوني أن أتوقف
لكي توضِّح لي الحقيقة ، ولماذا فعلت الخالة بسّه هكذا معي
ولكنني كنتُ مستمراً في الركض ولا أأبه لما تقول ‘ حتى
أصبحتُ خارج البيت ، أي في الشارع ، فاطمأنيتُ قليلاً
لأنني تحرّرت من أيادي تلكَ العجوز الظالمة ، فبدأتُ أبطىء
من سرعة الجري ، لكي لا أُتعبْ أمّي أكثرَ من ذلكْ .
أخيراً إستطاعت أن تلحق بيَّ وتمسكني من الخلف ، وأنا
أصرخ وأقول :أتركيني .. أتركيني لا أريد أن أكلِّم أحداً .!
لكن بعد قليل إستطاعت برقَّتها وحنانها وأسلوبها الخاص
التي كانت قد عوَّدتني عليه منذُ صغري ، أن تهدِّىء من روعي
وتطيّب خاطري ، ثمَّ قالت : إنَّ الخالة بسّه لاتكرهكَ أبداً
بل بالعكس فهي تحبكَ كثيراً ، ولكن كنّا مضطرين أن نفعل ذلك
لأننا لو أخبرناكَ كانت الخطة ستفشل ! فقلتُ : على أي خطّة تتكلمين
ياأمّي ؟ ألستُ هنا من أجل (الكنّزة ) ؟ وهل كل الذينَ يأتون هنا
يُضربون ويهانون أولاً ، ثمَّ يحصلون عليها ؟ وإن لم يكن هكذا
فمن الذي قالَ لتلكَ العجوز بأنني لا أسمع كلامكِ ؟ وهل هي
صادقة بما قالتهُ ؟ وهل حدثَ مرَّة لم أسمع بها كلامكِ ؟
أجابت أمّي وهي تبتسم : لا.لا ياولدي الحبيب ، دعني أوِّضح
لكَ أكثر ، القصَّة وما فيها أنكَ مُصاب بمرض ( الأبو صفار )
وهو بادي على أعينكَ ، وهذا المرض كما نعتقد نحنُ بأنه يزول
إذا ما تعرَّض المريض إلى الخوف المفاجىء ، ويجب
أن يكون على أيدي ناس مكرَّسين ، أي بعبارة أخرى
يذهب على أيديهم هذا المرض ، والخالة بسّه هي واحدة
منهم ، لهذا أضطريتُ أن أجلبكَ إلى عندها بهذه الطريقة .!
بعدَ عدّة أيام شُفيتُ من المرض بفضل الله وفضل الخالة بسّه !
وكانت المرّة الأخيرة في حياتي التي أراها بعدَ تلكَ الحادثة !
رحمكِ الله أيتها الطبيبة الشافية ، وعذراً إذا ما حقدتُ عليكِ
في تلكَ الساعة .
ليرحمكم المولى أنتم أطبائي الثلاثة :
الخالة : أم أحمديه صور
العم سليمان
الخالة بسّه
كنتم أطباء زمانكم ،في زمنٍ تسوده البساطة والعفويّة
والعادات والمعتقدات ، لكن ثقوا تماماً لو كنتم اليوم هنا
في السويد وفعلتم ذلك ، لقبضَ عليكم بتهمة التعدّي
والتجنّي على الطفولة ، ولربما حُكم عليكِ يا خالة
أم أحمديه صور بالسجن لسنوات ، بفعل الجرم المشهود
وأنتَ أيها العم سليمان لربما حُكمَ عليكَ أيضاً بالسجن
لمدةٍ أقل ، لإشهاركَ السكين حول رقبة طفلٍ قاصر
أما أنتِ يا خالة بسّه ، من المؤكد كنتِ ستدفعين غرامة
ماليّة كتعويض عن الضرر الذي سَببتيهْ للطفل البريء .
ولكن نحمد الله أنكم الآن في عالمٍ آخر ليسَ فيه طبْ
ولا جريمة ولا عقاب أرضي ولا عادات ولا معتقدات .

مرَّة أخرى ألف رحمة على أرواحكم الطاهرة .

فريد توما مراد
ستوكهولم – السويد
14-11-2012

المرفقات
Farid Mourad.JPG
Farid Mourad.JPG (52.98 KiB) تمت المشاهدة 835 مرةً

صورة العضو الرمزية
بهيج شمعون حنو
عضو
عضو
مشاركات: 2315
اشترك في: الأربعاء سبتمبر 02, 2009 9:23 am

Re: من ذاكرة الطفولة . بقلم : فريد توما مراد

مشاركة بواسطة بهيج شمعون حنو » الخميس نوفمبر 15, 2012 12:02 am

الاخ العزيز فريد ذكريات الطفولة جميلة جداً منها المفرح والمستغرب
ومنها الحزين والمؤثر جداً اما هذه القصة فهي دراما ومأساة بحق وحقيقة
وفعلاً مضحكة جداً احياناً اخرى فذالك الزمان
كان الطب العربي له مكانته في حياتنا وفي مجتمعاتنا وكنا نستفيد منه كثيراً
اما الذي استوقفني في هذه الدراما والقصة بعض هذه المقاطع المضحكة

( الحركات الإرهابيّة حول رقبتي)

كنتُ أرتعب وأرجلي من تحتي تهتزُّ خوفاً وترتجف
وكأنها تقدِّمُ مشهداً إستعراضياً لرقصة(فلامنكو)

فتَّحتُ أعيني لأرى ماذا يحدث ، وهل أنا فعلاً
لازلتُ على قيد الحياة



على كلاً كل الشكر والتقدير والاحترام لك اخينا العزيزفريد توما
على هذه القصص التي تشد القارئ اليها مهما كانت طويلة دون ملل بل بشوق كي يرى النتيجة


مع محبتي الخالصة
صورة

صورة العضو الرمزية
د. جبرائيل شيعا
المدير العام
المدير العام
مشاركات: 18973
اشترك في: الخميس مارس 19, 2009 11:00 am

Re: من ذاكرة الطفولة . بقلم : فريد توما مراد

مشاركة بواسطة د. جبرائيل شيعا » الجمعة نوفمبر 16, 2012 12:31 am

ما أجمل أن يتذكر الإنسان أيام الطفولة
فعهد الطفولة عهد البراءة والطهارة

هذه ذكريات الماضي
هكذا كانت الحياة
كان الطب والأهتمام الصحي قليل
فكان للطب الشعبي مكانة مرموقة ومتعارف عليها أكثر

لكن هكذا كانت الحياة

حقاً يا صديقينا العزيز فريد مراد توما
ما تفضلت به من ذكريات وحوادث
تذكرنا بالحياة التي عشناها

ألف شكر لك لتدوين هذه الحوادث
وكأنها من تراثنا ومن عاداتنا وتقاليدنا

أعجبني كثيرا هذا الأسلوب الطيب الرقيق في سرد القصة
وكل كلمة تجر كلمة وجملة وراءها حتى يصل القارئ إلى نهاية القصة

ros2: ros4: ros6:
صورة

صورة العضو الرمزية
فريد توما مراد
عضو
عضو
مشاركات: 742
اشترك في: الجمعة أغسطس 24, 2012 10:38 pm

Re: من ذاكرة الطفولة . بقلم : فريد توما مراد

مشاركة بواسطة فريد توما مراد » السبت نوفمبر 17, 2012 1:08 am

أخوتي الأعزاء ( بهيج ، ros3: جبرائيل )

حقاً يلزمنا أحياناً أن نعود إلى الماضي
وذكريات الماضي ، لأنها جزءٌ لا يتجزَّأ
منَّا ، ولا نستطيع التخلي عنها أبداً ، إلاَّ
في حالة واحدة فقط ، حالة غسيل دماغ
جذري ، وتغيير قلب كامل .

شكراً لكم على هذه المداخلة الطيّبة .
وفقكم الرب ، وأمدَّكم بالصحة والعطاء

أخاكم بالرب
فريد

أضف رد جديد

العودة إلى ”منتدى القاص فريد توما مراد“