الملفان مار افرام السرياني بقلم د. جبرائيل شيعا

أضف رد جديد
صورة العضو الرمزية
د. جبرائيل شيعا
المدير العام
المدير العام
مشاركات: 18973
اشترك في: الخميس مارس 19, 2009 11:00 am

الملفان مار افرام السرياني بقلم د. جبرائيل شيعا

مشاركة بواسطة د. جبرائيل شيعا » الخميس مارس 19, 2009 11:59 am

الملفان مار أفرام السرياني
سيرته
طلع كوكب وجود مار أفرام السرياني في فجر القرن الرابع الميلادي أي حوالي سنة 303م (وهناك من يقول 306م) في عهد الأمبراطور (القيصر) قسطنطين. ولد في مدينة نصيبين الواقعة أنذاك على الحدود الفاصلة بين حدود الأمبرلأمبراطوريتين الفارسية والرومانية (البيزنطية)، حاليا الواقعة بين الحدود السورية والتركية، القريبة من مدينة القامشلي في سورية. ولد من أبوين مسيحيين من أسرة مؤمنة محافظة على الدين المسيحي القويم، متمسكة بالكنيسة وتعاليم السيد المسيح السامية، وذلك خلافا لرواية بعض القصص التي تقول: أنه ولد وثنيا، ثم اهتدى في زهرة عمره إلى المسيحية، فهذا غير صحيح لا بل كان مار أفرام قد ولد مسيحيا من أبوين مؤمنين وملتزمين. ولم يكن اهله ممن تقبلوا في رغد العيش والرفاهية لكنهم امتازوا بسمعة حسنة وشرف جزيل. نشأ خير منشأ دينيا وادبيا، فتثقف منذ نعومة اظفاره تثقيفا مسيحيا. فكان على خلق كريم ونزاهة حميمة وفكرا صحيح وعقل سليم. حافط على عادات وتقاليد الآباء الأولين وعلى لغته الأم اللغة الآرامية-السريانية، برع فيها والذي نالى منها لقبه الشهير مار أفرام السرياني نسبة إلى إنتماء أصالته وجذوره إلى الأسم السرياني لغتا وقوما ودينا. اللتزم بالكنيسة منذ نعومة أظفاره وخدمها، وصرم حبل الدنيا في رونق شبابه. مازال مار أفرام صغيرا لزم مار يعقوب أسقف نصيبين الذائع صيته طهرا وقدسا، فجلب انتباهه بتقواه وذكائه الخارق. تتلمذا في شرخ شبابه على يد مار يعقوب معلمه طبقا لروايته شخصيا، وأعتمد على يديه وهو ابن ثماني عشرة سنة. أحبه معلمه كثيرا جدا فاتخذه تلميذا وكاتبا في آن واحد ورسمه شماسا والبسه الأسكيم (الثوب) الرهباني. فضمه إلى مدرسته (مدرسة نصيبين) وبرز بتفوقه الدراسي واخلاقه الفاضلة. كان مار يعقوب من معلميه الأوائل والذي أهتم به خير أهتمام وذلك لقدراته ونشاط حركته الأدبية والفكرية، فعينه معلما في المدرسة ثم مديرا لها. فافاد منه ورعا وادبا وعلما، ورشق من سلافه الأدب السرياني وزاد عنهم علما ومعرفتا وعطائا، حتى أصبح فرد زمانه إذ صادف منه قريحة وفادة وولعا بالعلم شديدا. اصطحب مار يعقوب النصيبيني تلميذه مار أفرام عام 325م إلى مجمع نيقية، هناك في هذا المجمع المسيحي العام ألتقيا مع القديس الشهير مار نقولاوس ( مار زوخي).

رهبنته
أن رهبنة مار أفرام كانت في بدايات الحركة النسكية التي انجبت نساكا ورهبانا مسيحيين انقياء من أمثاله التي طافت بها الاديره والمدارس الاهوتية. كان مار أفرام السرياني في الوعيل الأول من جماعة الرهبنة الأنقياء في بلاد الرافدين (بيث نهرين). كان في نسكه صواما قواما، ذبل جسده ونحل (رق) عوده نتيجة لتطرفه وإغراقه في حياة الزهد، منقطعا إلى عبادة الله تعالى.
وقد وصفه معاصره مار غريغوريوس النوسي (355 +396م) قائلا: أن مار أفرام لم يأكل سوى خبز الشعير والبقول المجففة، ولم يشرب سوى الماء، حتى حاكى هيكلا عظميا بل تمثالا من الفخار، أما لباسه فكان ثوبا خلقا بل اطمارا بالية. وقال أيضا: احتذى مار أفرام بالرسل الاولين وسار في طريقهم ليكون المثال الصالح لجميع الرهبان والنساك، عاش بدون ذهب ولا فضة وكان طعامه الخبز والخضار وشرابه الماء.
كان مار أفرام بالفعل الراهب الناسك الحقيقي الذي يضرب به المثل الرفيع. كان معتصما قلايته في العبادة والصلاة والقرائة والكتابة لم يترك لنفسه وقتا للراحة. كانت ساعات الراحة عنده الكب على الكتاب أو الورقة والقلم، مع الأكل وإلى جانب طعامه توجد المحبرة والقلم والورقة أو كتابا ما إن لم يكن أكثر من ذلك. كذلك الأمر عند النوم، نومه المتقطع والمتخلل بالفيقات (استيقاظ)، يملأ الليل كله بالصلاة والقراءة. لم يترك الكتاب والقلم في راحه منه فكانا هما الصديقين الحميمين له.
وصف مار أفرام فلسفته الرهبانية بقصيدة نفيسة جدا خماسية الوزن، يعبر فيها عن أهمية الرهبنة في مجال الزهد والبرائة والأيمان والتقوى. نلاحظ من الرسوم التي تشير إلى مار أفرام السرياني فهو جالس أمام طاولته وبجانبه القلم والمحبرة والورق والكثير من الكتب فهذا رمزا له ولعبقريته السمحاء. هكذا استمر هذا العبقري ملتزما العلم والدين معا ولم يخرج خارج الدير أي كان حبيسا معتصما. سطرت حوله أقوال من الذين راودوه، يقال: بأنه كان يفعل ذلك منفردا في قلايته ولم يرى ضوء الشمس ولم يعرف ماذا يكون خارج سور الدير الذي كان عابدا فيه. يقال بأنه في يوم أتى إليه الملاك وقال له: يا أفرام ماذا تريد بعد ذلك كله، قراءت كل الكتب وتعلم كل شيء لكن هذا لا يفيد شيئا عند ربنا يسوع المسيح. هكذا تكررت الرواية ثلاث مرات وفي النهاية قال له الملاك: يجب عليك أن تخرج من هذا المكان إلى الناس وتنشر هذا الفكر وتظهره للعالم. كما قال سيدنا الرب يسوع المسيح: كل سراج يجب أن يضع فوق المنضدة وليس تحتها. ما تفعله الآن هو لنفسك أنت فقط (لمنفعتك الشخصية)، لكن الرب يريد منك أن تفعل ذلك للبشر للمنفعة العامة، على أن تبثها إلى أفكار الأخرين وقلوبهم. الله يرسلك إلى الناس المؤمنين والغير مؤمنين وإلى أصحاب البدع المخالفة. فالله يروي عجائبه من خلال الأبرار القديسين والصالحين.
لم تكن الرهبانية لديه تصوفا وانقطاعا عن العالم وصوما وصلاة فحسب بل كانت أيضا خدمة للإنسانية، ووسيلة لحفظ التراث القومي السرياني، لذلك جعل من الاديرة مركزا مهما للعلم والمعرفة حيث ازدهرت العلوم والآداب. اقتدا به الكثيرين من الرهبان والتلاميذ، فانكب تلاميذه ومن بعدهم اغلب الرهبان السريان على الدرس والتحصيل، وعكفوا على البحث والتأليف، فتركوا لنا آثارا ادبية قيمة ونفيسة تعج بها مكتبات العالم اليوم وبذلك أسهموا في رقي بلادهم وازدهارها ونشر الحضارة فيها.
كتب البطريرك مار أفرام برصوم عن مار أفرام السرياني ما يلي: كان قدس الله ثراه زاهدا متمسكا له وقار وحكم وسكينة واصالة، وسجايا جميلة وشيم رضية. ممتازا في فضائل العفاف والتواضع والرحمة، معتصما بدينه اشد اعتصام مغاليا في حب الكنيسة والإيمان القويم، نارا ملتهبة تحرق زوان الهراطقة المضللين، استاذا حاذقا وجنديا امينا على حراسة معقل الإيمان القويم وصفوة القول ان الفضائل بعقدها وسمطها كانت مجموعة له.
كان مار أفرام إنسان متواضع جدا حتى درجة الغرابة. اراد معلمه واسقفه (مار يعقوب النصيبيني) الذي تعجب من إيمانه وتعاليمه وحسن سيرته وتفوقة وتقدمه على أن يرقيه إلى درجة الكاهن (يرسمه كاهنا) لكنه رفض رفضا قاطعا أن يرقي إلى درجة الكاهن. بقي مار أفرام فقط شماسا طوال حياته وذلك لإعتقاده بأنه غير مستحق أن يحمل رتبة الكاهن على عاتقه. فقال: إنني لا استحق أن أحمل هذا اللقب الكبير فهذا حمل ثقيل جدا، فكيف أن استطيع أن أمثل الرب يسوع المسيح على الأرض وأنا أنسان ضعيف خاطئ.

وطنيته
كان مار أفرام يتجلى بالوطنية ومحبة الوطن والدفاع عنه بكل معنى الكلمة. كان يجابه الأعداء بكل قساوة وعصاة، لا يخاف الموت ولا يهاب الملوك العظام. هذا ما أثبته في الكثير من أناشيده الوطنية التي حبرها وصقلها في عقول وآذان وأفكار الشباب للدفاع عن الوطن، عن الأرض، عن مدينتهم المحبوبة. كتب الكثير في هذا المجال مثالا: كتب ضد الحصار الشهير الذي فرضه الملك شابور الثاني على بلدته مسقط رأسه نصيبين. بالرغم من ميله وخرطه في سلك الرهبنة والنسك والزهد والعزلة عن الناس لكن قلبه وعقله كانا متعلقان بما يجري حوله من صعوبات عدائية على بلاده السريانية وبالأخص على المنطقة التي يسكن فيها هو وأبناء أمته. وقرر القديس مار غريغوريوس نيصص أن دم الشهداء تغلغل في اسرة مار أفرام. فكان من المشجعين للشباب في الدفاع عن الوطن من طغيان الأعداء والمحتلين. نظم مار أفرام القصائد البديعة والأناشيد الشجية الوطنية التي تعرف بالنصيبينية. تعد صورا رائعة لحياة ذاك العصر في تلك المنطقة، ففيها يصف لنا ما قاسته مدينته في الحصارات والحروب، حيث كانت بحكم موقعها على حدود الدولتين الفارسية والرومانية، تتعرض لحروب طاحنة، فتخضع لسلطان الفرس حينا والرومان احيانا. وقد عاصر مار أفرام هذه المآسي في الاعوام 338 و 350 و 359 و 363م. خلال الزحف الفارس على مدينة نصيبين ومحاصرتها فضطر مار أفرام أن يكف برهة عن التدريس ولكنه استمر في تحريض الاهالي على مناهضة العدو الفارسي ريثما زال عنهم الخطر. وعلى اثر وفاة مار يعقوب زحف الفرس تكرارا إلى نصيبين عنوة. تتحدث القصص السريانية التاريخية عن حصار الفرس لمدينة نصيبين ثلاث مرات في عهد مار أفرام. يقال أن مار أفرام كان في مقدمة من شجع الناس على القتال والصمود والدفاع عن المدينة في وجهة العدو الفارسي، وأنه كان ينظم خلال ذلك ميامر وأناشيد يصف فيها المعارك وظفر المدافعين عن المدينة. هناك كانت تكمن وطنيته ومحبته لوطنه وأرضه وبلدة ولأمته السريانية. وقد عاصر مار أفرام هذه المآسي في الأعوام 338، 350، 359 وأخيرا 363م التي أرغمته على التباعد عن مسقط رأسه نصيبين. يظهر ذلك في كتاباته، ما كان يكنه في قلبه الكبير وقلب كل مواطن صالح شريف من إيمان بالله واتكال عليه. كما أنه يقوم ويثمن مواقف رجالات الكنيسة المشرفة، بتشجيع رعيتهم أوقات الحروب للدفاع عن المدينة ببسالة، باذلين في سبيل ذلك النفس والنفيس.
نصيبين
بعد أن ترهب مار أفرام ورسم شماسا، رافق معلمه مار يعقوب النصيبيني إلى المجمع المسكوني النيقاوي سنة 325م الذي حضره ثلاثمائة وثمانية عشر من آباء الكنيسة المسيحية في العالم (في هذا المجمع دحضت بدعت آريوس الملحد). وسبق فانشأ مار يعقوب في نصيبين مدرسة يتلقن فيها الطالب مختلف العلوم في طليعتها شروح الكتاب المقدس. بعد حضورهما المجمع عادا إلى نصيبين سلم زمام التعليم فيها إلى تلميذه الفذ مار أفرام. ما أن توسم الاسقف الجليل في أفرام الناسك النجابة والتقوى حتى نصبه معلما في مدرسته وتحت اشرافه. فحقق التلميذ رغائب معلمه واحرز رضاه بما ابداه من حدة الذهن واصالة الرأي في التلقين والتثقيف حتى انه فاق الاساتذه جميعا واستاهل أن يدعى (الملفان السرياني). بعد أنتقال مار يعقوب إلى جوار ربه سنة 338م تسلم مار أفرام إدارة المدرسة سنوات حتى أغلقت بسبب الاضطهاد والغزات. نظم مار أفرام في هذه المدرسة طرفا من أناشيده المعروفة بالنصيبينية، فعلا صيته عاليا جدا وأخذ شهرة واسعة النطاق إلى أن جلا عن وطنه بعد استلاء الفرس المدينة عام 363م. بعد أن سلمت مدينة نصيبين أي نتيجة الأتفاق أو التنازل الذي وقعه الأمبراطور الروماني مع ملك الفرس سنة 363م أصبحت نصيبين بيد الفرس.
خدم مار أفرام اساقفته الذين تولوا الكرسي الأسقفي في نصيبين خلال تواجده في نصيبين، كما ذكرنا كان مار يعقوب معلمه واسقفه الأول، خلف مار يعقوب انصيبيني (309-338) عدة مطارنه وهم الأساقفه بابويه (338-349)، وولغش (349-361) وإبراهيم 361-...)، في عهد هذا الأخير تمت هجرة مار أفرام من نصيبين. خدم مار أفرام 38 عاما في مدرسة نصيبين، حتى خروجه من المدينة مهاجرا إياها بسبب غزو المحتلين لمدينته.
كانت اللغة السريانية لغة التدريس الرسمية في مدرسة نصيبين. حيث كانت نصيبين في القرن الرابع مدينة سريانية قلبا وقالبا، لغة وحضارة منذ إنشائها في أرض الرافدين. كانت مدرسة نصيبين تتبع في الفلسفة طريقة مدرسة انطاكية التي كانت تعتمد على ارسطو أكثر من افلاطون. كانت مبادئها توجب في كل موضوع ببساطة في المنهج، وكمالا في الايضاح، وادراكا في التعليم الإيمان. قد تخرج من هذه المدرسة علماء نوابغ، ولا غرو فقد كان مديرها واستاذها الأول مار أفرام عملاق الأدب السرياني، الذي منذ نعومة اظفاره كان يقضي بياض نهاره وسواد ليله في الدرس والتحصيل منكبا على مطالعة الكتاب المقدس فتعمق في علومه، واتقن لغته الأم اللغة السريانية وآدابها حتى عد في الرعيل الأول بين اقطابها بل هو فارسها الذي لا يجاري. أننا لا نشك في الظروف والاحوال المعيشة والحياة الصعبة لذلك العصر والتي احاطت بحياة هذا القديس مار أفرام، ولا سيما عندما هاجر إلى الرها.
الرها
عندما سلمت نصيبين إلى الفرس سنة 363م هجرها مار أفرام برفقة نخبة طيبة من اساتذت مدرستها وتلاميذتها. خرج مار أفرام من مدينة نصيبين في اشراف أهله إلى آمد (حاليا ديار بكر)، هذه المدينة التي ذاع صيت علمها وتاريخها السرياني الأصيل في كل أرجاء البلاد. فهناك في هذه المدينة الشهيرة كانت له المحطة الأولى، لكن الظروف لم تسمح له البقاء طويلا، لأنه كان عاقدا أن يذهب إلى المدينة المقدسة العظيمة الرها، لذلك بقي في هذه المدينة مدة يسيرة ثم هاجرها متجها نحو مدينة الرها الذائعة صيتها الشهير،فكان ذلك سنة 363م. أنضم مارأفرام ورفاقه إلى مدرسة الرها الاهوتية، هذه المدرسة التي تأسست منذ بداية فجر المسيحية.
في هذه المدينة المقدسة الرها، نازلا من نساكه أجمل منزلة. حيث رافقه إليها نخبة طيبة من اساتذه (معلمون) مدرسة نصيبين ومعظم وجهائها وتلاميذها. استقبله رهبان الدير خير أستقبال رفيع، وفتحت المدرسة أبوابها لهم. هناك اعاد فتح المدرسة ووسع شأنها وحسن إثره فيها فبعد صوتها بفضله وفتح فيها كنوز علمه، التي أصبح القديس مار أفرام معلما فيها لمادتي التفسير والتراتيل، بالإيضافة لاهتماماته الأخرى بالمطالعة والتأليف والخلوات في جبل الرها (المدعو بالجبل المقدس). فكان مار أفرام تارة يتنسك في مغارة في جبلها المقدس، وتارة يتفرغ للتدريس.
جدد مار أفرام وصحبه مدرسة الرها فازدهرت على ايديهم ودامت حتى عام 489م. كان تلاميذتها وأغلبهم من الأراضي المحتلة من قبل الفرس متجهين إلى العلم في هذه المدينة العظيمة، يتلقون دروسا في شرح الكتاب المقدس بعهديه معتمدين بذلك على تفسير مار أفرام وهو اقدم من فسر الكتاب المقدس عند السريان، كما كانوا يأخذون عنه العلوم اللاهوتية لأثبات حقائق الدين المبين ومناهضة تعاليم طيطيانس ومرقيون وبرديصان وماني وآريوس، وبدعهم الوخيمة. فعدت كتاباته مثالا للتعليم اللاهوتية في الكنيسة السريانية.
توجد حكاية منقولة على لسانه (مار أفرام) عندما وقف على نهر ديصان المحيط بالمدينة (مدينة الرها) فرأى نسوة يغسلن ثيابهن، ودارت مناقشة بينه وبين واحدة منهن، أعجبت هذه الفتاة به جدا بداءت تنظر إليه باعجاب غريب قائلا لها: لماذا تنظرين إلي يا فتاة؟!! كان جوابها: أراك لا تنظر إلي وأنا بهذا الجمال البارع الذي تشتهي الشباب والرجال النظر إليه، فما بالك لا تنظر ولو لحظة واحدة. قائلة أيضا: نعم أنني أعرف حق المعرفة، لماذا لا تنظر إلي؟ لأنك من التراب، أن الله خلقك من التراب، فأنت من التراب وإلى التراب تنظر فهذا حقك الطبيعي. أما أنا، أنا خلقت منك من جسدك، لذلك يكون هكذا، هذا حقي الطبيعي أن أنظر إليك باعجاب، هذا ما يلزمني لتكملة تكويني الجسدي. أنت من التراب تنظر إلى التراب، أنا منك فأنظر إليك. هذا الجواب البسيط العميق بفلسفة تحليلة الذي يرجع إلى بداية الخليقة عندما خلق الله الإنسان الأول آدم من التراب وعلى صورته واما المرأة حاوى أخذت من الرجل آدم.
أهتمت مدرسة الرها أيضا بتدريس الفلسفة على مذهب ارسطو وتلقين طلابها العلوم اللغوية والادبية باللغتين السريانية الأم واليونانية التابعة للغة السلطة الحاكمة أنذاك.
في مدينة الرها آلف مار أفرام أول جوقة ترتيل من الفتيات السريانيات اللواتي علمهن ما ابتكره، أو ما كان قد اقتبسه من الانغام الموسيقية، وما نظمه من القصائد الروحية، والتراتيل الشجية التي ضمنها العقائد الدينية وصورة الإيمان المستقيم، فكن يتغنين بها في الكنيسة أثناء الصلاة. إلى مار أفرام يعود الفضل في تنظيم الحياة الطقسية في الكنيسة السريانية وبتأليف الجوقات الكنسية.
قيل ان مار أفرام قد زار الأنبا بشواي وغيره من النساك في مصر. كما زار بعدئذ القديس مار باسيليوس أسقف قيصرية قبدوقية (+379م) ويستبعد بعض النقاد هاتين الزيارتين.
تفتخر نصيبين والرها مدينتا ما بين النهرين الشهيرتان بإنتماء مار أفرام إليهما.

مساعدته
عندما حدث في الرها غلاء شديد وحلت المجاعة فيها في شتاء عام 372م، ومات عدد غير يسير من أهلها. دفع مار أفرام وهو في سن الشيخوخة أن يتخلى عن منسكه ويشمر عن ساعد الجد ليحض الاغنياء ويحرض المحتكرين كي يغيثوا اخوتهم المساكين. أخذ ما أفرام يطوف دور الاغنياء ويحفهم على اعمال الرحمة ويجمع منهم الصدقات ويوزعها على الفقراء، فاتعضوا بإرشاده ولبوا طلبه. كما اسس دورا جمع فيها ثلاثمائة سرير وقيل الفا وثلاثمائة سرير صارت ملجأ للعجزة. وكان يشرف بنفسه على الاعتناء بهم. حتى انتهت سنة المجاعة واقبل زمان الحصاد فعاد إلى صومعته وهو مصاب بالمرض الذي كان قد فش في المدينة.على أثر الجوع انتشر وباء الطاعون، فانبرى مار أفرام في تطبيب المرضى وموآساتهم حتى اصيب بدوره بداء الطاعون واحتمل صابرا آلامه المبرحة، وفاضت روحه الطاهرة في 9 حزيران عام 373م ودفن في مقبرة الغرباء في ظاهر مدينة الرها بناء على وصيته، وبني على ضريحه دير يعرف بالدير السفلي ثم نقل رفاته الطاهر إلى مقبرة الاساقفة في كنيسة الرها الكبرى، وقيل أنه نقل عام 1145م إلى اوروبا مع ذخائر بعض القديسين وعيدت له الكنيسة شرقا وغربا.
في الساعات الاخيره من حياته المجيدة، وفي لحظات احتضلره الرهيبة، املى على تلاميذهوصيته الاخيرة شعرا فاهتموا بتدوينها حالا، قد ترجمت إلى اليونانية بعد وفاته بمدة وجيزة، واستشهد بها القديس غريغوريوس النوسي (+396) خمس مرات في نقر بضه اياه. وقد اعترف مار افرام بوصيته هذه بايمانه، وبين تمسكه بالعقيدة المسيحية وحيث تلاميذه على التشبه.

الوصية
إن مار أفرام ترك لنا جميعا وصية سامية روحانية إنسانية، فلا بد من الالماح إليها، تركها لأهل وطنه ولجميع الناس. هذه الوصية تبرهن على إيمانه وتواضعه وصدق وطنيته. قال ما خلاصته: يا أيها الرهاويون اني مائت لا محاة. فاستحلفكم بكل احترام ان لا تدفنوني في بيت الله تعالى ولا تحت المذبح إذ لا يليق بجسد يرعاه الدود ان يرقد في هيكل مقدس. ادفنوني في ثوبي وقبعي الرهباني. شيعوني بصلواتكم وترانيمكم وتقريب الذبيحة مرارا جمة تكفيرا عن شقائي، أن افرام لم يقتن دراهم ولا عصا ولا كيسا ولم يملك ذهبا ولا فضة. ارسخوا في تعليمي وكملوا وصاياي بامانة. واثبتوا دائما في الإيمان القويم الجامع (الكاثوليكي) احذروا الهراطقة الملحدين خصوم ايمانكم القويم. احذروا فعلة الاثم الذين يأتونكم بكلمات معسولة فاسدة. ولكن مباركة الرها مدينة الحكماء وحاضرهم.......
بعد هذا فاضت روحه بيد خالقها وظلت ذكراه العاطرة ممزوجة بالبركة في الكنيسة جمعاء. قال القديس غريغوريوس: ذاع جمال حياة أفرام البهي وسداد تعاليمه في العالم طرا. ولاح اسمه في الاصقاع مثل الشمس في رائعة النها.
أقوال مأثورة
قال مار أفرام الكثير من الأقوال التي يمكن أن نعتبرها حكم وأقوال تهم الإنسان بشكل عام، هذه بعض منها.
- أن الحكيم لا يبغض احد، وأن ابغض فإنما يبغض الجاهل. أما الجاهل لا يحب احد فأنه يحب رفيقه الجاهل.
- اقتن الذهب بقدار أما العلم فاكتسبه بلا حدود، لأن الذهب يكثر الآفات وأما العلم فيورث الراحة والنعيم.
- كن في فتوتك متواضعا لترتفع في شيخوختك.
- أن الحكمة أفضل من الزينة، والعلم خير من الاموال، وفتى حدثا حكيما من ملك شيخ جاهل.\
- الحسد سهم نافذ يقضي على راميه.
- من يمتلك ذهبا خالصا لا يخشى من امتحانه بالنار.
- ليس بكثرة البنين تكون الحياة للآباء.
- إذا شاء رب البرايا قام الولد الواحد مقام الكثيرين.


بمناسبة مرور 1700 سنة
على ولادة ملفان المسيحية مار أفرام السرياني العظيم
ألمانيا – هانو 09.06.2004 Hanau
Dr. Ing. Jibrail Moussa
د. جبرائيل شيعا
صورة

صورة العضو الرمزية
د. جبرائيل شيعا
المدير العام
المدير العام
مشاركات: 18973
اشترك في: الخميس مارس 19, 2009 11:00 am

الملفان مار افرام السرياني

مشاركة بواسطة د. جبرائيل شيعا » الجمعة إبريل 24, 2009 12:46 pm

يا ريت لو نتعلم من ملفاننا الكبير العبر
والخدمة والعطاء
لنقتدي بسيرته الحسنة الروحية الإنسانية
صلواته معنا جميعا
صورة

أضف رد جديد

العودة إلى ”منتدى الدكتور جبرائيل شيعا“